رِثاء خادِمَ الحرمين الشريفين عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود، رحمه الله

بقلم الدكتوره / خيرية بنت عبدالفتاح بدران
جامعة الملك عبد العزيز
معهد اللغة الإنجليزية

لكل نفسٍ في الحياةِ أوانُ..تعودُ لخالِقها بلا استئذانِ
فمالَك تعجَب مِن أمرِ الله
أصاحب الأمرِ إذ يأمُر في ماله..يطلبُ إذناً يستَرِد أمانة !
و النفسُ في الأبدانِ ما هي إلا..أمانةً نحفظها حتى يئِن الأوانُ
و الروحُ كالطيرِ تَهيمُ في سمائِنا..مهما تَغيبُ أو ترحلُ الأبدانُ
سِراً، اللهُ وحدَه يعلَم شجونَه..و بني الإنسانِ تُحيرهم الأشجانُ
مَلك الملوك قد قال في قرآنه..عجباً، يا صاحبي، لو تقرأ القرآنَ
فاقرأ بسم ربِّك الذي خلق
خلقك أيها الإنسانَ مِن علَق..و عجيبُ خلقُك يا أيها الإنسانُ
لمّا استقَّل العَلَقُ عن بيتِه و..جِدارِه سار في الرَكبِ مع الرُكبانِ
و صاح في الكَونِ يَعلو بصَوتُه..إني حرٌ مُستقلٌ و لي كيانُ
حتى إذا ما اكتَسَب رِزقه..كاملاً عاد كما كان علَقةً
لكنه في باطِن الأرضِ يتبوئن مكانَه
أعلِمت يا صاحبي أنه المُستقرُ و المُستودَعُ
ثم إنا إلى اللهِ عائدون..لكن كلَ شيءٍ بأوانِه
اللهُ مِن فوقِنا يُبصِرُنا و يَنظِرُنا
لكن بني الإنسانِ منهم..اليَقِظُ و منهم الغَفلانُ
و الدنيا سائرةٌ مهما اعترضنا طريقها
و مهما كان بنا مِن قوةٍ فإنا..لا نقوى على عَجلةِ الزمانِ
و دمعةُ تَفِرُ مِن العينِ
تهرُب مِنا لا نستطِيع كَبح جِماحِها..و لو تتباهى بالقوةِ الأبدانُ
إنه الزائرُ الذي يأتيك
و لو كُنت في بروجٍ مُشيَّدةٍ..ضارِباً أسياجاً حَول المكانِ
يدُ في يدٍ تتشابَك، لكن أصابعها..تُحسُ وَهناً مُتشبثاً بمكانِ
فمالَك عِند لقاءِ الموتِ تَفتحَن ذراعيك
و كأنك الطيرَ مُحلقاً بجناحيك..لكن القلبَ في خَفقانِ !
و صوتُ مِن السماءِ قد نادى باسمِك..فـ دوَّت الأصداءُ تملأن مكانَ !
و نظرةً إلى الدُنيا بعينيك تَسترِقها
فيأخذك القلبُ بعيداً حيثُ..الرحيلُ عن ذاك العالَمِ الفاني
أكان لك خَيارٌ يا صاحبي في المَجيءِ أولاً..
حتى يكونُ لك في الرحيلِ خَيارُك الثاني !
تستقبِل مِمَّن يرحلُ عَنك عِبرةً..
حتى ترتدي ثَوبَ الرحيلِ عِندما يئِن الأوانُ
رِحلةً هي الدُنيا، و إنا المُسافرون..
و الأسفارُ قد كُتِبَ فيها حدودُ أمكِنةٍ و أزمانِ
فـ هل أعدَدت عُدتَك و عَتادَك..
و علِمت أن نهاية الرِحلة لا تَعلم عن أوانِه؟!
إني علِمتُ الدُنيا زائلٌ متاعُها
و كلُ مَن سار عليها ذات شروقٍ..يأتيه غروبُها يوماً فإذا هو فانِ
و لا يبقى إلا وجهُ ربِك فسبِّح بحمدِه..
و اعلَم أن العُمرَ مَقدورٌ بـحُسبانِ
إنا للهِ و إنا إليه راجِعون..نستَقي مِن عَدلِه و رحمَتِه و غُفرانِه
…….
أخادِمَ بِلادِ اللهِ الحَرامِ
قد رحَلت عنا أيا عَبدَ اللهِ..ما عَهِدناك ذا كِبرٍ أو عُجبانِ
المُلكُ كان التاجَ على رأسِك..لكنك تَواضَعت للهِ راجياً غُفرانَه
و مدَدتَ يديك بالخير فامتلأت..خيراً كأن صِدق النوايا تجلَّى بالأركانِ
و الصَقرُ على كَتفيك لم يبرَح مكانَه
و أنى له و الصاحِبُ..صقرَ الصُقورِ عبدُاللهِ بزمانِه
شَقَقت سَحابةً فانطلَق النورُ يَعدو..و التقى بحضرتك مُلتقى الأديانِ
الطابِعُ إسلامياً عرَبياً خالِصاً..لم يُعكِر صَفوَه صَخبٌ و لا ثَرثرةُ لِسانِ
طُفت العالمَ فاستقبلتك الأرضُ مُبتهجة..
و السماءُ ترقُب خادِم الحرَمينِ ذا المُلكِ و الشانِ
العينُ تنظُر إلى الأمامِ تعرِفَن طريقها..
و القلبُ بسم اللهِ مُسبحاً و داعياً إخوانَه
و كأن ذاك الطِفلُ
حين كان في مَهدِه بدأ الخُطى بثباتٍ..يعلَمَن طريقَه و يُقَدِّرَن مكانَه
فتجلَّى فارِساً على كَتفيه الصَقرُ ثابتاً..ما أصابَه يوماً رَجفةٌ و لا غادرَن مكانَه
إنما هي سُنةُ اللهِ في عِبادِه تجعلنا..نستعِدُ بالقلبِ للقائِه فتُطاوِعنا الأبدانُ
فلا نَعبأ بالصَقرِ يَبقى على أكتافِنا والقَلبُ..قد فاق الصَقرَ حِكمةً و حِنكةً و رَزانَة
إني رأيتُ على ملامِحك صورةً قد ارتسمَت..حين تراءَت لي قلتُ، للهِ سُبحانُ !
فلما تأملتُها تبيَّنتُ بَحراً مِن..ملامِحك قد اتَخَذ شُطآنَه
فلما ازدادتُ تأمُلاً إذا بي أُحِسُ..ماءَ البَحرِ عَذباً إذا ناداهُ ظمآنُ
حتى إذا ما احتاجنا إلى مِلحِ الحياةِ إذا بِه..
المِلحُ غير القاسي، المُستساغَ الطَعمِ بلا لَذعانِ
ثم اقتَربتُ مِما بالصورةِ مِن كِتابٍ..فإذا بي أحتاجُ أتعلَّمُ القِراءةَ ذات المعاني
فلما شرَعتُ أقرأُ الكِتابَ وجَدتُ..الكِتابَ يَحوي مِن المعاني المعاني
و وجدتني كالطِفلِ الصَغيرِ بين صَحائِفه..أحتاجُ إلى زمانٍ فوق الزمانِ بزمانِ
فما للزمانِ قَد قَصُرَ بِنا أَم أننا
أصغَرُ مِن أن نُلِمَ بأسرارٍ..قد اختبأت بطياتِ الزمانِ !
نسيرُ في الدنيا معاً فإذا بالموتِ يؤذنُ..أيا عبدَ اللهِ قد آن الأوانُ !
فاكتَست وجوهنا حُزناً ذا وشاحٍ أخضَرٍ..فاليومُ جُمعةٌ و الشهرُ ربيعٌ الثاني
فإن افترَقنا فإن اللهَ جامِعِنا ..في الشَرقِ كُنا أو في الغَربِ جَمعانِ
عبدالله هو اسمُك لكنه اسمُنا و إن..اختلفَت أحرُفُ الأسماءِ أو تباينَت ألوانُ
ألا ترى الخلائقَ كُلها قد توَّحدَت..كلمتُها أنّا عِبادٌ للهِ الخالِقِ المَنانِ !
فانظُر إلى السماءِ عبدَ اللهِ
ترى أسماءً قد كُتِبَت..النورُ نورٌ و النوران نورانِ
أيا ابن عبدالعزيزِ و المَلِكُ يعرِفه..السائِحُ في التاريخِ كان قاصٍ أو دانِ
المسجِدُ الحَرامِ و المَسجِدُ النَبوي قد..شَهِدا تَوسِعة المكانِ و تجهيزَه و عُمرانَه
يرحلُ الإنسانِ عن الدُنيا و لا يبقى..إلا سيرَته بين الناسِ ذَماً أو استِحسانَ
و كُلُ شيءٍ حَولنا قد قال كلِمَته..و راح يذكُرك بالبِرِ و الإحسانِ
..
رحمةٌ مِن اللهِ عليك تَدعو بها قلوبُنا
مهما طُوِيَت صَحائفٌ قد..سجّـلَت حُزنَ القلبِ على لِساني
و رحمةُ اللهِ على مَن أمَّن على..كلامِنا و أمَّنَنا مِن اللهِ بأمانِ !

خيرية بنت عبدالفتاح بدران
جدة، 9 مِن ربيع الثاني، 1436
الموافق لـ 29 يناير، 2015

Twitter del.icio.us Digg Facebook linked-in Yahoo Buzz StumbleUpon
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف غير مصنف. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

8 تعليقات على: رِثاء خادِمَ الحرمين الشريفين عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود، رحمه الله

  1. صالح أحمد‎ كتب:

    رحمة الله عليك يا حبيبنا الغالي …رحمة الله عليك يا رقيق القلب يا عطوف يا ابو الجميع

  2. torch كتب:

    الله يغفر له ويرحمه.

  3. التسوق اونلاين كتب:

    جميل جدا، كنت سرحان مع القراءة
    شكرا

  4. نبيل براح كتب:

    بارك الله في من كتب الرثاء وجعل كلماتك دائما في الخير

  5. vk streaming كتب:

    شكر لك لقد اتحفتنة بهدا الرثاء الجميل

  6. mohd كتب:

    رحمةٌ مِن اللهِ عليك تَدعو بها قلوبُنا

  7. الصفحة كتب:

    الف شكر على الموضوع الرائع ماقصرتوا

اترك رداً على التسوق اونلاين إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>