لغة الألوان

لغة الألوان

Twitter del.icio.us Digg Facebook linked-in Yahoo Buzz StumbleUpon
كُتب في غير مصنف | إرسال التعليق

قتلها أهلها

قَتَلَهَا أَهْلُهَا

بقلم/ عبدالرحمن بن أحمد باجنيد

 

رأيتها تحت جنح الظلام باكية شاكية، تحاول أن تواري دمعتها، فما يزيدها ذلك إلا نحيبا، اقتربت منها على مهل علني أخفف عنها أحزانها، فلما رأتني انتفضت من مكانها كأن الرعد قد سرى في جسدها، اقتربت متعجبا ولم أفقه حديثها وسألتها من تكون، فقالت: أما علمت أيها العربي الخائن أنك تحمل اسمي وتهينه، ثمت تسألني من أنا؟!

قد تكون هذه القصة من نسج خيالي! ولكن ماذا لو كانت اللغة العربية إنسانا يتكلم ويتحدث، فماذا عساها تقول؟ أظن أنه لا يحق لنا أن نلومها فيما ستفعل بنا. ظهرت في الآونة الأخيرة حادثة عجيبة، وبدعة غريبة، غير أنها كانت في الماضي ولكنها انتشرت وهيمنت وغطت عنان السماء الآن، وهي استبدال العربية بالانجليزية (أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير)، ولا أجد تفسيرا لهذا إلا أنهم أناس قد انبهروا بلغة غيرهم المُزَيَّنة وتركوا لغتهم على حالها، هم كمن رأى الحمار عليه بعض الأوراق المقطعة الملونة ففضله على الحصان، وحاشا أن يكون الحمار حصانا ولو غنى كالبلابل وتكلم كالإنسان وزأر كالأسد! أولئك أقوام أفسدوا علينا لغتنا وظنوا الإنجليزية خيرا منها لأنهم لم يفقهوا لغتهم، ولا عرفوا بلاغتها وبيانها، ولا فصاحتها وتبيانها، فرموها بالعقم وعدم احتوائها لمستجدات عصرها، فيرد عليهم شاعر النيل ـ لله دره ـ قائلا على لسان العربية:

رموني بعقم في الشباب وليتني *** عقمت فلم أجزع لقول عداتي

ويبين كنوز العربية بقوله:

أنا البحر في أحشائه الدر كامن *** فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتي

ولكن من الذي يعرف مزاياها؟ غير الغواصين الذين قطعوا أعماقها حتى يعرفوها، قبل أن يغوصوا في أعماق الإنجليزية ليتشدقوا أخيرا قائلين:

“”We are cool because we can speak English

ألا خابت نواصيكم وتبت كل أيديكم، فوالله لا افتخار لمن لم يتقن لغته، كمن فرح بالفضة وترك الذهب، وكلاهما في متناوله، وبعض هؤلاء يريد أن يبين لك أن الحضارة قد أنثت طباعه الرجولية، وأنه من صنف الرجال ولا رجال، فتجده يرمي إليك كلمتين عربيتين وبينهما كلمة إنجليزية فيقول:

” والله شوف يا صاحبي نحن أمس كنا في ال Coffee Shop ناخذ لنا شوية Tea   Greenعشان Our health”

هل ينتظر هؤلاء الجهلة جائزة عالمية على ابتكارهم لغة جديدة؟ لغة العربيزي! وبما أنني طالب متخصص في اللغة الإنجليزية فإنني أرى من هذه الأمثلة كثيرا، فذاك أستاذ يقول لنا: أنتم متخصصون في الإنجليزية، وأسمعكم أيها الجهلاء تقولون: “دق المصعد”، وكان من الواجب عليكم أن تقولوا: “دق ال Lift”

وإن كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: “حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله ؟”

وقال ذلك في شأن من يتحدث بالعربية فلا يفهمه الناس، من لفه ودورانه، ولته وعجنه، يحاول أن يبين ضلاعته، كالذين يأتونك في بعض البرامج متشدقين قائلين:

“وإن هذا الأمر لا يفهمه سوى علماء الخبلوجيا الخبراء بالهبلوجيا الدارسين لعلوم الغرورجيا، أما أصحاب الغوغائية، والأنفس الارتوازية، فلا يفقهون قولنا!”

فهنيئا لهم لغتهم التي اخترعوها بكلمات عربية ومفاهيم غبية، ولا أعلم أن قس بن ساعدة خطيب العرب تكلم مثلهم، ولا أن المتنبي فعل فعلتهم، ولم يسبقهم بهذا أحد البلغاء والأدباء، بل إن من مناقب الأديب أن يكون أسلوبه سهلا ممتنعا، لا صعبا مروعا، كما أننا لم نسمع أن الصحابي الذي تعلم العبرية رضي الله عنه أتى بعد تعلمها يتحدث كلمة عربية وكلمة عبرية، وإن هذا الذي يقومون به لهو رأس التشدق والتبجح والتنطع، ولا أقصد بذلك استخدام بعض الكلمات التي لا يعني صاحبها التكبر بها على الناس، وإنما لأنها أصبحت من ضمن كلام الناس ـ مع الأسف ـ كقولنا (كوبري) بدلا من جسر، وقولنا (باص) بدلا من حافلة وغيرها من الكلمات.

وفي السياق: أذكر أنني ووالدي جلسنا يوما مع أحد الموظفين في إحدى الجهات فأخذ والدي يسأله عن عمله، فراح الأخير يشرح عمله بكلمة عربية وأخرى إنجليزية، ولله الحمد خرج والدي ولم يفقه شيئا مما قاله سيادة الموظف المهم اللبق المتعلم الحجة القاهر على أمره!

إن مثل هؤلاء لا بد وأنهم منقادون برباط الانهزامية للحضارة والتقدم الذي سار فيه الغرب فغلبونا، فرحنا وراءهم لا نراعي ما نأخذ، وإن كان هذا السبب الرئيس فإن على وزارات التربية والتعليم في الحكومات العربية وكذلك المربين والآباء أن يراعوا هذه المشكلة ولعلي أضع هنا مجموعة من الحلول:

أولا: إيجاد مدارس يمنع التحدث فيها بغير العربية الفصيحة، ويكون معلموها ممن حازوا من اللغة نصابها، وقد سمعت أن هذا النوع من المدارس موجود فعلا، وقد سمعت في المذياع بعض طلابها يتحدثون بعربية فصيحة دون أن يلحنوا، مع أنهم طلاب مدرسة ابتدائية، ولكن الفكرة يجب أن تنتشر لا أن تظل راكدة.

ثانيا: إنشاء معاهد لتعليم اللغة العربية، فإنه من أشد العجب، أن يكون في مملكتنا مئات المعاهد التي تعلم الإنجليزية ولا نجد سوى معاهد قليلة تعلم العربية، أهو زهد فيها؟ أم أننا مكتفون منها؟

ثالثا: يتم تنظيم هيأة أدبية في الدولة لها سلطتها مثل (هيأة كبار العلماء)، تكون مهمتها إيجاد مفردات جديدة لآخر مستجدات العصر، ويتم نشرها بين الناس قبل اعتيادهم على مفردات إنجليزية، فإذا ما وجدنا اختراعا كال Radio)) على سبيل المثال فإننا نحتاج من يترجم لنا هذه الكلمة ويجد لها مفردة عربية أصيلة وينشرها قبل أن يعتاد الناس على المفردة الإنجليزية فيصعب تغييرها عندهم، كما يؤكد على ضرورة سهولة هذه الكلمات لا أن نسمي ال (Sandwich) بشاطر ومشطور وبينهما طازج! فحينها وبلا شك لن يحب أحد العربية.

رابعا: يجب أن تتم مراجعة المناهج الدراسية الخاصة بالعربية، فوالله إنها اللغة الميتة لا الخالدة كما سموا كتابهم، فما عهدت المناهج الدراسية تعلم أبناءها أدبا ولا بلاغة ولا نقدا، وإنما يأتيك التعليق على كل قصيدة: امتازت القصيدة بجزالة الكلمات ووضوح العبارات ورقة المشاعر! ولو كتبت العبارة الماضية تعليقا على أي قصيدة فاضمن مني نجاحك في المادة! ولا أدري من وضع هذه الكتب التي تقتل الإبداع عند شبابنا في مهدهم.

خامسا: إن كنا نقول أن اللغة الإنجليزية يجب أن تعلم باللغة الإنجليزية وأنه يجب ألا يُتكلم في محاضرة إنجليزية باللغة العربية حتى يتطور المرء فيها، فكذا الأمر بالنسبة للعربية، فلماذا نتحدث بالإنجليزية في محاضرة اللغة الإنجليزية ولا نتحدث بالفصيحة في محاضرة العربية؟ تناقض!

سادسا: فتح المجال للشباب ليبرزوا إبداعاتهم، كإنشاء مجلة أدبية خاصة بشباب الأدب، ويشرف عليها مجموعة من التربويين الأدباء الذي ينمون مواهب هؤلاء الشباب.

سابعا: إن لغة كالعبرية كانت تنتحب وعانت في الرمق الأخير ولكن أهلها بدؤوا يهتمون بها حتى أصبحت لغة أكثر الأبحاث العلمية الآن، ونرى كذلك اهتمام الفرنسيين بلغتهم فهم وإن كانوا يتقنون الإنجليزية لا يتحدثون معك بها! وأذكر أنني في باريس ركبت في سيارة تاكسي وكان صاحبها يكلمنا بالفرنسية ولا نعقل ما يقول، حتى يئس من أن نفهمه، ثم بدأ يحدثنا بالانجليزية ويحاول تشجيعنا لنتعلم الفرنسية! فإذا كان هذا اعتزازهم بلغتهم التي لم ينزل بها قرآن ولا فرقان، فلماذا إذا تكون مناهجنا التعليمية باللغة الإنجليزية؟ هل وصلنا إلى هذا الحد من الذل والهوان!

ثامنا: يتم توعية الناس بأهمية اللغة العربية من خلال المحاضرات والمقالات والمهرجانات والطرق المختلفة الإبداعية، لا بطرق تقليدية ساذجة، ويتم إلقاء المحاضرات من أصحاب الاختصاص بعلم اللغات في هذا الشأن، لا كمن يأتي وكل همه أن يسب الإنجليزية ليبين فضل العربية! وكأن العربية ضعيفة في ذاتها فنحتاج أن نسب غيرها لنقويها، وفي نهاية المطاف يكون نصف كلامه خاطئا لأنه أساسا لا يعلم من العربية شيئا غير الدارجة منها ولا يعلم من الإنجليزية غير (Am, is, are) ثم يتبجح ويقارن.

تاسعا: أن توفر الدولة وظائف بحثية للأدباء، ويكون فيها تفرغ كامل برواتب مصروفة للأمور البحثية اللغوية، فإننا نعاني في هذا الجانب كثيرا من قلة الأبحاث، وإنك لو أردت أن تبحث في مجال مثل اكتساب اللغة الجديدة أو كيف اكتسبنا نحن لغتنا الأم أو كيف تؤثر اللغات على ثقافة الشخص وغير ذلك من الأبحاث المتعلقة باللغة لوجدتها قليلة جدا.

عاشرا: أن تقوم وزارة الثقافة والإعلام بمنع السخرية من اللغة العربية في أي برنامج أو مقال كان، فهذه البرامج التي تدعي الفكاهة وهي إلى السذاجة أقرب، تدمر عزة المرء بلغته، فيصورون لك من يتحدث بالفصيحة على أنه قرصان على إحدى عينيه لفافة سوداء ويقول: “قاتلك الله يا أبا لهب والله لقد ذهبت البعير ولم يبق في المدينة غير هؤلاء الرهط” ويلوي فمه أثناء الحديث، ولا أدري هل كان الأوائل يتحدثون هكذا حقا! ياللغباء!

أحد عشر: لا بد أن يكون وقت تعلم العربية كافيا، فإن مما يدعو للتساؤل كون الطالب يتعلم أربع حصص أسبوعيا في اللغة الإنجليزية وثلاثا في العربية؟! وقد علق أحد أساتذتي مرة قائلا: “والطلاب في النهاية بسبب ذلك تخرجوا لا يتحدثون العربية ولا الإنجليزية!”

أسأل الله أن يعيد إلى لغتنا هيبتها ووقارها، إنه على كل شيء قدير.

 

 

Twitter del.icio.us Digg Facebook linked-in Yahoo Buzz StumbleUpon
كُتب في غير مصنف | إرسال التعليق

العربية…بلسم القلب

العربية بلسم القلوب

Twitter del.icio.us Digg Facebook linked-in Yahoo Buzz StumbleUpon
كُتب في غير مصنف | إرسال التعليق

طابت الغراس

طابت الغراس

بقلم/ عبدالرحمن باجنيد

نتيجة بحث الصور عن غرس

ها نحن، بعد ثلاثة أعوام من قطع الطريق سويا، خطت فيها الأخوة بيانا، وكان فيها العلم تبيانا، وزدنا فيها إسلاما وإيمانا، لا ندري ما نقول، وأين نصول ونجول، فلا كلماتنا تعبر عن حالنا، ولا منقولنا يعبر عن مقولنا، كأننا قد افتقدنا لوهلة حاسة الكلام، وإن كان الناس لا يعتبرون الكلام حاسة، ولكنه في حالتنا هذه أعظم الحواس

وإن لم نعتبر الكلام حاسة فأي من حواسنا الخمس تغني في هذا الموقف عنه؟

فما زلنا نرى الحزن يرفرف بجناحيه الكبيرين أمامنا فيغطي عنا ما كنا نراه من سرور، وسعد وحبور، ثم إذا حان الديجور، أزاح جناحيه ليتركنا نتقاسم الأحزان، ونيأس من الزمان

إذا أحاسة السمع هي التي تغنينا؟ وقد مضى الأسبوع الماضي ولم نسمع فيه علما، ولا حركنا فيه قلما، ولا أتحفنا فيه شيخانا، ولا بعلمهما أظلانا؟

أما عن الإحساس والشم والتذوق فما عدنا نحس للحياة جمالها ولا رونقها وظلالها، ولا نشتم فيها عبيرها وريحانها، ولا زهورها وأريجها، ولا عدنا كما كنا نتذوق للحياة طعما ولا لونا

فإذا هي حاسة الكلام التي كنا أول من اكتشفها، لا علما منا وتفضلا، بل حاجة إليها جاءت بها دون بحث عنها،

لا خيل عندك تهديها ولا مال *** فليسعد القول إن لم تسعد الحال

هي كلمات بسيطة صنعت في مصنع القلب، وزخرفت بالحب، بعد أن أحاطت بها في قلوبنا دماؤنا، ولامست شراييننا، فأخرجنا هذه الكلمات مع أنفاسنا،

الكلمة الأولى نحبكما! نحبكما لأنكما قد بذلتما الغالي والنفيس، متمثلين في ذلك قول الله: “لا نريد منكم جزاء ولا شكورا” نحبكما لأنكما كنتما كالخارطة للطريق، والنور في الغسق، والبصيص آخر النفق، تدلاننا إن تهنا، وتشدان على أيدينا إن اهتدينا، في زمن أحاطت به الفتن والملمات، والوساوس والمخزيات.

الكلمة الثانية شكرا، شكرا على كل لحظة، على كل كلمة، على كل موعظة، كان مستقرها القلب، شكرا على كل كتاب نصحتمانا بقراءته، شكرا على كل درس أفدتمانا باستماعه، شكرا إن كان الشكر يجدي “من لا يشكر الناس لا يشكر الله” وخير شكركما الدعاء لكما، ولأهليكما اللواتي لم يقصرن في استقبالنا واقتسام الأجر معكما في كل ما قدمتماه، فنسأل الله أن يبدلكم الجنة أجمعين

الكلمة الثالثة أبشروا، أبشروا أننا على العهد ماضون، وعلى الوعد باقون، فقد بذرتما، وطاب الغرس بإذن الله، ونحن على خطاكما حتى لا يضيع الجهد سدى، ويكون ما أخذنا من علم حجة علينا لا حجة لنا، وخسرانا بعد أن كان مكسبا، ونقمة بعد أن كان نعمة، ولكننا نعمل بما علمتمانا على قدر الطاقة والاستطاعة ما حيينا بإذن الله

لا زال في القلب الكثير من العبرات، ولا زال في العين بعض الحسرات، فالفراق صعب عسير، وكأننا بالناس قد رأووا حالنا حين أعلنتما أنها نهاية الطريق معكما، فأشفقوا على حالنا، وبكوا لبكائنا، وتحسروا لحرماننا من خير كثير، وكأنني بهم قد جاؤوا وقالوا لي:

 

كفكف دموعك قد رآك الناس                           

عيب الفتى أن يعتريه الباس

تبكي على الأصحاب كل هنيهة                        

ولكم يضيق الصدر والأنفاس

هم كالنجوم اللامعات بعلمهم

وبجمعهم تتابع الأعراس

المصطفون من الشباب بفضلهم

قد حفهم بعد الهدى نبراس

لا لا تعدد حبهم وهواهمُ

إن الأخوة ما لها مقياس

كفكف دموعك قد جعلت قلوبنا

بكاءة ويحيطها الإحساس

تبكي على شيخين هولك مثلما

كادت على صخر تجنّ خناس

شيخان بل أبوان ننهل منهما

وعليهما ثوب التقى ولباس

كفكف دموعك ليس يجدي هدرها

إذ ليس دون النوم يجدي نعاس

إن البيان اليوم ليس لنا فما 

أمسى بنا قيس ولا نواس

شيخان قد وضعا البذور صغيرة

إن العزاء بأن يطيب غراس

 21 محرم 1437 هـ

22 أكتوبر 2016 م

 

 

Twitter del.icio.us Digg Facebook linked-in Yahoo Buzz StumbleUpon
كُتب في غير مصنف | إرسال التعليق

حسناء في الخمسين

حسناء في الخمسين

Twitter del.icio.us Digg Facebook linked-in Yahoo Buzz StumbleUpon
كُتب في غير مصنف | إرسال التعليق

حصون المجد

حصون المجد

Twitter del.icio.us Digg Facebook linked-in Yahoo Buzz StumbleUpon
كُتب في غير مصنف | إرسال التعليق

لغة تشتكي

لغة تشتكي

بقلم/ عبدالرحمن بن أحمد باجنيد

 

image

 

من أين أبدأ يا لحزني مطلعي
وبأي حرف سوف أمسح أدمعي
من أين أبدأ لا الحروف تطيعنا
فالقول نار ليس تمحو موجعي
هل أشتكي حزني وبعض مصائبي
فالليل يغشاني وليس بمهجعي
يا ليل طل حتى نعاف حديثنا
فالهم باقٍ ليس فيك بمسرع
هل أشتكي وبريد صوتي فصحة
لن ترغبوها لو تحدثتم معي
هل أشتكي وأضيع وقتي ساعة
كالطل حين يراق في مستنقع
كالقطر في الصحراء ليس يفيدها
كالتمر في قفص لأسْد جُوّع
حتى الصدى ما عاد يفهم لهجتي
فيرد أصواتي برد مقنع
هذا الصدى لا يعقل اللهجات في
هذا الزمان أو زوايا مرتعي
بانت خيوط الحزن دون شموسها
والبوم فوقي كم يؤرق مسمعي
وأنا على لغتي أذوب صبابة
فالعشق كان طوال عمري مرجعي
قد كبروا بالعشق يوم ولادتي
بعد الأذان فما أنا بمودع
فيها ومنها قد كتبت قصائدي
فيها حياتي ليت فيها مصرعي
آه لحسنائي كيف ينهك عرضها
ظهرا بأيدي المسلمين الورّع
جاءت إلي تجر كل همومها
ثقلت عليها بعد فقد مقذع
فقدت صباها رغم أن شبابها
كانت ذراه لنا كروض مربع
فقدت بنيها جلهم مستنكر
يدعو عليها أن تصاب بمفزع
جاءت لتجلس بيد أن أنينها
نفث من الشيطان راح مروّعي
وصدى المكان أراه يفهم قولها
تتحدث الفصحى بدون تصنع
جاءت إلي ولست أعرف شكلها
لولا الحديث لكنت أطلب مهرعي
لغتي أحقا هذا أنت فإنني
من هول هذا الخطب بت بمفجع
قالت ونبض الغم أخفى صوتها
فكأنها لم تبد قط بأورع
“إن اللغات على مكارم أهلها
إن أحسنوا حسنت بكل مرصّع”
من أين أبدأ، ليتني لم أبتدي
فشكايتي طالت ولست بمُسمع

Twitter del.icio.us Digg Facebook linked-in Yahoo Buzz StumbleUpon
كُتب في غير مصنف | إرسال التعليق

يومان يُورْكِيَّان

يومان يوركيان

بقلم/ عبدالرحمن بن أحمد باجنيد

300px-York_Minster_from_the_Lendal_Bridge

 

 

كعادتي هنا في بريطانيا: أحب أن احط رحالي كل يوم سبت في مدينة جديدة لرخص تكاليف السفر بالقطار، وتوافر المال الكافي ولله الحمد، فتجدني أنطلق صباحا قاصدا إحدى المدن البريطانية وأعود مساء إلى مدينتي نوتنجهام، كان السفر في بادئ الأمر في تصوري فرصة “لتغيير الجو” أو “تعديل المزاج” بعد أسبوع دراسي شاق، حتى أنني قد تعودت ألا أخطط لسفري، منتهجا منهج: “فِلَّها وربك يحلها”، وأن أنفق فيه إنفاق من لا يخاف الفاقة على مبدأ: “أنفق ما في الجيب يأتيك ما في الغيب”.

ولكن المطاف انتهى بي إلى حب السفر لأجله لا لغيره، للمتعة التي يجدها المرء، للتجارب التي يتعرض لها، للتربية الفردية التي يمارسها ـ خاصة إن كان وحيداـ حيث يجد أحيانا ما لا يسره من العسر، فيكون ملزما أن يتعلم ويحل مشاكله بنفسه، ويقرر ويتصرف دون مساندة، إلا من رب العالمين، على عكس “الموت مع الجماعة رحمة” كما نقول! لأننا ومع الأسف قد تربينا تربية اتكالية، فلا شيء نقوم به، كل أمورنا وشؤوننا يرعاها أهلونا جزاهم الله عنا خير الجزاء، فلا فواتير تقلقنا، ولا نقص المال يحزننا، فكل شيء على أهالينا والسلام! ولعل من الفرص أن يربي المرء نفسه تربية فردية في السفر، فدوام الحال من المحال، وسيأتي يوم علينا جميعا نحن الشباب ونتحمل فيه مسؤولية أسرة!

 

في السفر يتعرف المرء على الحضارات والأفكار، فما أمتعها من رحلات حين تتأمل في الناس وعيشتهم، وفي الأمم وحضاراتهم، وتتفكر وتتدبر في المناقب والمثالب، والمآلات والعواقب، “قل سيروا في الأرض…” فما أجمله والله من سريان حين يخالطه العقل، هنا حديقة غناء، فيها السناجب والإوز يعزفون موسيقى الجمال، “فبأي آلاء ربكما تكذبان”، هنا أنهار وجبال وبحيرات، جنات فوق الأرض، فكيف هي جنات السماء! سبحانك! ما أجمله من سريان حين يخالط شغاف الروح، عند كل حجر، في كل بستان، عند كل طير، تردد: “إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب”.

 

هذه المرة قررت أن أحط رحالي في مدينة يورك، هذه المدينة التي قرأت عنها ورأيت بعض صورها فجذبت قلبي جذبا، وما أبقت فيَّ تجاهها إلا حبا، وكان من الجميل أن رافقني أحد إخواني وأصدقائي هنا، لنقضي يوما يُورْكِيَّا جميلا، أو هكذا كنا نحسبه! ولكن المصائب كانت تنهل علينا من كل اتجاه وكأنها “جلمود صخر حطه السيل من علِ”، ولا ننتهي من إحداها حتى نقع في أختها “مكر مفر مقبل مدبر معا” ولعل هذا ما جعل للرحلة طعما ولونا مختلفا وجعل لها مكانة خاصة في قلبينا.

 

استيقظت صباحا، صليت الفجر وتجهزت للرحلة التي ينطلق قطارها في تمام السادسة وأربعين دقيقة، انتظرت صديقي الذي وعدني أن يمر على بيتي الساعة الخامسة ثم ننطلق سويا، وكعادته ـ جزاه الله خيرا ـ يحب أن يلقن أصدقاءه دروسا في الصبر، فاتصلت به الخامسة والربع أسأل عن حاله وأين وصل فقد تأخر ربع ساعة، فيرد علي مستخدما حبلا صوتيا واحدا فقط ـ على ما يبدو ـ أو أن لقمة غصت في حلقه فلا يكاد ينطق، أو إذا لم أحسن الظن قد أيقظته مكالمتي! سكتُّ ولم أعلق على تأخره لأن مصيبتي أكبر، ونازلتي أطم وأعم، متذكرا: “لكل شيء إذا ما تم نقصان”، وصل إلي في تمام السادسة واتجهنا إلى محطة القطار، قلت له ـ وأنا على استعداد أن أعيّره بتأخره إن عيرني بمصيبتي ـ

ـ حبيبي: هناك مشكلة صغيرة جدا جدا جدا كصغر قامتك، الرحلة في تمام الساعة السادسة والأربعين دقيقة!

ـ طيب معروف والمعنى؟

ـ اممم 6:40 البارحة وليس اليوم!

طبعا ود لو يقتلني، ونحن طوال رحلتنا نرى من فينا أذكى من الآخر، أو لأكون صريحا من فينا أغبى! تبادلنا الأحاديث حال طريقنا إلى أن وصلنا، وطبعا كما يفعل السعودييون هنا عادة، اتبعنا الخطة اثنين تقسيم ثلاثة: “تصرف كالأغبياء وكأنك لا تعلم أن التذكرة انتهت أو أنك لا تتحدث الإنجليزية” وفعلا دخلنا القطار وجاء قّاصُّ التذاكر، وأريناه تذاكرنا، وعلى عكس المتوقع فشلت الخطة، وود لو يقول لنا:

- If you don’t know, it is a problem but if you know, it is a bigger problem

(إن كنت لا تدري فتلك مصيبة ** وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم)

وقال عليكم أن تشتروا تذاكر جديدة فوافقنا وأخبرناه أننا نحتاج تذاكر من نوتنجهام إلى يورك ذهابا وعودة، فنزلت علينا الطامة أننا لا نستطيع شراء تذاكر مرتفعة الثمن على متن القطار، فاقترح أن ندفع ثمن التذاكر إلى جرانثام وننزل فيها ونأخذ قطارا إلى يورك، وطبعا خيرنا فيما ليس فيه خيار، فدفعنا واشترينا ونزلنا في محطة جرانثام، وذهبنا إلى شباك التذاكر لنشتري تذاكر إلى يورك ذهابا ثم عودة إلى جرانثام، وما أن استلمنا تذاكرنا إلا والقطار قد وصل، ورحنا نجري في الممرات حتى ندركه، كما يعلقون جزرة في السنارة أمام الحمارـ أكرمكم الله ـ حتى يجري، ولله الحمد وصلنا وركبناه، وحينها أرخينا ظهورنا إلى كراسينا ونحن لا نشعر بشيء سوى التعب والإرهاق، فقد “لقينا من سفرنا هذا نصبا”

 

وصلنا إلى مدينة يورك ورحنا نجوب طرقاتها وهي بحق حسناء عذراء، ترتسم على قلاعها أشعة الشمس، فلا أنت بمن حرم الشمس ولا بمن ذاق حرارتها، بل ظلتك القلاع ورأيت ضوءها، كنا نسير في الطريق ولا نردد سوى عبارات أحسب لو أننا ذوو “عيون حارة” فلن تبقي شيئا على حاله في تلك المدينة، حتى قال صاحبي على غرار قولنا: “ما كأنك في السعودية”، “ما كأنك في بريطانيا!” فالفرق بين نوتنجهام ويورك كما بين التراب والسحاب أو المشرق والمغرب، ومن الوهلة الأولى قررنا أن نبيت ليلتنا هناك، فحجزنا سريرين في إحدى بيوت الشباب، ولعلي أقول على الهامش إن من الأفكار البديعة في أوروبا عامة كثرة بيوت الشباب، فتدفع مبلغا زهيدا للسكن فيها كمسافر، وأنت في النهاية لا تحتاجها إلا للمبيت، فلا يضرك أن هناك ناسا يشاركونك الغرفة، ومما تعجبت منه أنني تصورت بيوت الشباب رديئة لا تصلح للعيش، كما هو الحال في شقق العزاب! ولكن المفاجآة أن البيت كان أشبه ما يكون بفندق من فئة الخمسة نجوم!

 

طفنا في المدينة في حدائقها واستمتعنا ولفتت نظرنا القوارب في النهر، وقررنا ركوب إحداها، وطبعا بالنسبة لي ولصاحبي كانت هذه أول مرة نركب فيها البحر! وكانت حالتنا يرثى لها فأقل ما يقوله من ينظر إلينا “محرومين!”، وكان الناس ينظرون إلينا فيلمزون ويهمزون ويضحكون، فصاحبي طبعا يحب إضحاك البشر وإدخال السرور على قلوبهم! ولكن بالطبع إضحاكهم علينا لا معنا! ولكن الجميل فيه همته وتهوره، والتهور وإن كان سلبيا أحيانا يعجبني ويروقني، مساءً قررنا الذهاب إلى مدينة ليدز المجاورة والتي لم تكن بالطبع في خطتنا، فلم يرفض بل شجع ورحب وانطلقنا فعلا إلى هناك.

 

وهناك مررنا بملاهٍ صغيرة فيها بعض الألعاب، ولا أدري لماذا تهورت وقلت لصاحبي:

ـ دعنا نركب تلك اللعبة ونتغلب على خوفنا سويا!

ـ أنا أخاف الأماكن المرتفعة!

ـ لا عليك يجب أن نفعلها، أطلق القزم الذي بداخلك!

وافق ودخلنا إلى اللعبة، وبدأت اللعبة في الارتفاع وبدأت وصاحبي بالصراخ! وأنا أقول لصاحبي:

ـ اسكت أفزعتنا!

ـ ما أقدر، خائف! الله يلعن إبليس! ليش ركبت!

ـ اقرأ آية الكرسي!

ـ الله لا إله إلا هو الحي القيوم، لا تأخذه سنة ولا … ولا…. ولا….. نسييييييييت!! نسيييييييت آية الكرسي يا عبدالرحمن! الله يلعني، الله يلعن عقلي، الله يلعن… هؤلاء الكفار خدعونا وغدروا بنا!

وأنا متجمد في كرسي خائف مثله ولا أدري كيف مر الموضوع بسلام! ثم اتصلت بأستاذي محمد عسيري وهو يحضر للدكتوراه في ليدز، وقلت له أنا في ليدز وأريد تناول العشاء معك، وأحسب أنه قال في نفسه: “ولرب نازلة يضيق بها الفتى!” فلا مناص ولا مهرب من هؤلاء حتى هنا! تناولنا العشاء سويا، وبعد العشاء كانت بطارية زميلي قد فرغت تماما، يومان من الاستيقاظ مع التعب والجري والمصائب! واعتذرنا من أستاذنا وعدنا إلى يورك لقضاء الليلة، وكنت أقود صاحبي في الطريق فقد سكر دون شراب! يمشي مكبا على وجهه!

 

في الصباح استيقظنا وزرنا بعض الحدائق، وقررنا الرجوع على رحلة الساعة الثالثة من يورك إلى جرانثام ثم إلى نوتنجهام، لأن الرحلة التالية بعدها بثلاث ساعات، وصلنا إلى محطة القطار على الموعد، عرفنا منصة الإقلاع وجلسنا عندها وحان الوقت ولكن القطار لم يأتِ! فتذكرت أن في سكك القطار البريطانية عرق من الخطوط السعودية، ولكن الخطوط تفوقت عليهم بالطبع، وفعلا اكتشفنا أنهم غيروا منصة الإقلاع على آخر لحظة! وهنا بالطبع بدأ سباق الهجن من جديد، جرينا في الدرج وفي الممرات حتى نلحق القطار ووصلنا على آخر لحظة لنجد قاصَّ التذاكر ـ قص الله عمره ـ ينظر إلينا من داخل القطار ويشير إلى ساعته أننا تأخرنا! فذهبنا إلى مكتب التذاكر نعلمهم بما حدث فقالوا الحل الوحيد أن تذهبوا بعد نصف ساعة إلى ليدز ثم تنتظرون هناك نصف ساعة وتأخذون قطارا إلى جرانثام! وخيرنا فيما لا خيار لنا، وركبنا قطار ليدز وصاحبي يتوعد ويهدد:

ـ هؤلاء الكفار لا أحد يضمنهم! كلاب، فيهم ما فيهم،

وفجأة زادت عصبيته وقال:

ـ شوف! قطارنا بدأ يتحرك الآن قبل خمس دقائق من وقته الأصلي! هيا لو جاء الشخص متأخر!

وأنا أضحك ببرود وأقول له:

ـ حبي، القطار الثاني يتحرك وليس قطارنا! يبدو أنني الأذكى!

وصلنا إلى ليدز ومن هناك اتجهنا إلى جرانثام ثم بالطبع إلى نوتنجهام، وهنا قرر صاحبي غفر الله له الانتقام من “الكفار”، وإن كان يؤمن بقوله سبحانه: “لا إكراه في الدين” ولكنه انتقم وحسبت أنهم جميعا ودوا لو كان مسلمين! قال لي ونحن في القطار الآن أريهم عقاب صنيعهم، فتح كيسه بهدوء، وأنا أقول لااا، لااا، اهدأ، الأمور تحل بالسلمية! لا تتهور! ولكنه أصر وأخرج قارورة الماء! واتجه بخطوات ثابتة كخطوات الفرسان الشجعان إلى أرض المعركة، خطواته كانت أجمل نسيج عسكري بديع رأيته في حياتي، إنها ساعة الانتقام! خطوات لا تهزها الريح إلى الحمام! وهناك أدى ما عليه وتأخر، حتى خفت أن يفوته النزول من القطار وهو مركز في انتقامه! جاءني بعد خروجه وعلامات الإرهاق على وجهه وهو يقول:

ـ انتقمت من الكفار! أريتهم ما لا ترتضيه أنفسهم!

وأنا أقول في نفسي إن كانوا كفارا فما ذنبي أنا حتى تفعل هذا بالقطار!

وصلنا ولله الحمد بسلام ونمنا هانئين، استيقظت اليوم صباحا وعقدت أيمانا ألا أحضر الجامعة وأن أسطر هذه الذكرى عن هذين اليوميين اليوركيين البديعين!

 

27 / 4 / 1436 هـ

16 / 2 / 2015 م

Twitter del.icio.us Digg Facebook linked-in Yahoo Buzz StumbleUpon
كُتب في غير مصنف | إرسال التعليق

وبدأ المزاد

وبدأ المزاد..

بقلم/ عبدالرحمن بن أحمد باجنيد

ها هم التجار مقبلين، وإلى الشراء متلهفين، في جيب كل منهم أموال كثيرة، ونقود وفيرة، يريد أن يفاخر بها أقرانه، ويبز بها إخوانه، فيكون صاحب العز والمكانة، دخلوا إلى مكان التجمع مبتسمين وعلى وجوههم علامات السعد والحبور، والفرح والسرور، فاليوم يومهم، والمعروض سيكون حتما ملكهم، وليسوا يتوجسون أو يتأخرون في الدفع ما دام فيه مكسبهم … نعم يا سادة.. إنه المزاد!

كان المسرح الذي أقيم فيه المزاد كبيرا، حتى تظن أنه يسع من في الأرض جميعا، فلا يضيق عن داخله، ولكل مكانه ومقامه، فجلس الجميع بارتياح تام، فلا ضيق ها هنا ولا ازدحام، وأنا جالس بينهم، ولست منهم، فما أنا بصاحب الأموال، ولا ميسوري الأحوال، رأيت كلا منهم منفوخ الجيوب، ثغره وضاح ووجهه باسم، فعلمت أنهم اجتمعوا ها هنا في تنافس لم يشهده غيرهم، ولا عرفته الأمم من قبلهم، فوالله إن أحدهم يود لو يشتري بماله كل ما يعرض في المزاد، والعجيب أن القاعة امتلأت من جميع الأعمار والأجناس، فهي لا تقفل أبوابها في وجه الصغار، ولا تستاء بقدوم الكبار، وهي لا تحسن استقبال من أحسن العربية، وتسيء إلى من تحدث بالأعجمية، فالكل سواسية ما دام أن لديهم أموالا يبذلونها، وهذه التجارة الحقيقية، والتاجر الفطن من عرف ما يحتاجه العملاء، فوفر لهم ما يناسبهم، لا كمن يفتح محلا لبيع الجوالات في بلد كل من فيه لا يستطيع شراء قوت يومه!

كانت القاعة مسرجة بسراج عظيم، تراه العين فتحسب ألا ظلمة بعده، وألا لم ترَ ظلاما قبله، فتح الستار فظهر رجل حسن المظهر، حلو الحديث والمنطق، وجهه كأنه الشمس، أو البدر ساعة السحر، في عباراته تجانس جميل، وأدب أصيل، نادى في الناس قائلا:

أهلا وسهلا بكم أيها التجار الكرام، يا من جئتم بمالكم للشراء، إن لدي خبرا أحسبه يسعدكم ويؤنسكم، وليس يضركم أو يسيئكم، فقد قررت الإدارة أن السلع التي نبيعها تكفي لأكثر من شخص، فإن رفع السعر إلى أعلاه وتعادل فيه الجماعة أخذوه فكسبوا جميعا، ومن لم تعجبه سلعة أعجبته غيرها، حتى يخرج الجميع سعداء منفرجي الثغور، كأنما هم من سلاسة السعادة مولودون، ولها ينتسبون!

ثم توقف برهة وهنيهة من الوقت حتى يأتوا بالسلعة الأولى، فكانت كأجمل ما ترى العين حسنا، وأبهر ما يرى القلب جمالا ، فأبهرت الحاضرين، وأصاخت بالسامعين، فنادى أحدهم: سأدفع فيها ألفًا تامة غير ناقصة، وصعد الثاني قائلا أدفع ألفين والثالث زادها، حتى توقفوا على السبعة آلاف، فنادي مقدم المزاد من يزيد؟ فقام أحد الأثرياء وقال أنا أدفع لك فيها إحدى عشر ألفًا تامة حاضرة، فلما رأى الحضور همته، ومبلغ عزيمته، رفعوا سعرهم معه فوصلوا كما وصل، وهنا نظر المقدم إليهم وعرف أنه لا زيادة فقال: أذكركم بالشرط وهو أن الجميع شركاء وعليه، سيمنح كل منهم السلعة بإحدى عشر ألفا.

كسب من كسب، وخسر من خسر، ثم جاءت السلعة الثانية فكانت جميلة كصاحبتها، غير أنها كانت ناطقة بالحكمة، رصينة الكلمات، معدومة النواقص والمثالب، فقام أحد الحضور وقال أدفع فيها عشرة آلاف، فزاد الثاني والثالث كما حدث في السلعة الأولى حتى قام أحدهم وقال أدفع ثلاثين ألفا! فسكت الحضور، ثم نظروا إلى السلعة تارة أخرى فعرفوا أنها تستحق، فبلغوا منها ما بلغ ووضعوا لها ثلاثين ألفا وقام المقدم وقال ما قال في المرة الأولى وكسب السلعة أشخاص كثر.

عرضت في ذلك المزاد الكثير من السلع وفاز في كل واحدة منها أناس كثر، لا يعدون ولا يحصون، عدت إلى منزلي والدهشة لا تزال تمنعني من الكلام، وتقطع مني منطقي وأدبي، فلا أزال أذكر كيف أن بعض الأطفال اشترى تلك السلع، ولا أدري كيف وفروا ثمنها، ولا أزال أذكر كيف أن بعض الفقراء والشيوخ اشتروا بعض تلك السلع، لقد كان مزادا لا كالمزادات فالكل فيه كاسب، والكل فرح ومسرور، أما من لم يحضر المزاد فقد ندم ندما شديدا، فالفرص لا تأتي كل يوم، والخاسر من ترك الفرصة ولم يستغلها، سواء كان ذلك في تجارة أو وظيفة أو زوجة أو غيرها من شؤون الحياة، فكيف بمزاد كل من فيه كاسب وليس حكرا على أحد ثم يضيعه من أضاعه !

أعرفتم عن أي مزاد أتحدث؟ عن أي قاعة تسع كل من فيها ولا تضيق عليهم؟ عن أي سلعة هي إحدى عشر تامة؟ عن أي سلعة هي ثلاثون تامة؟ نعم أيها السادة….

إنه مزاد رمضان!

 

 

 

Twitter del.icio.us Digg Facebook linked-in Yahoo Buzz StumbleUpon
كُتب في غير مصنف | إرسال التعليق

شاي أم سكر؟ بقلم عبدالرحمن باجنيد

شاي أم سكر؟

بقلم/ عبدالرحمن باجنيد

(1433هـ)

استقيظت مع نسمات الصباح… وهمسات البلبل الصداح… وكنت قد بيتُّ النية أن يكون يومي مختلفا… وأن أعيشه يوما جميلا… بلا مشاكل ولا قلاقل; أن أتخلى عن حقدي وحسدي… عن الغيبة والنميمة… عن كل ما يعرقل صفو الحياة… وأن أعيش يوما مليئا بالإنجاز…

فتحت جفناي المغمضان لأرى غرفتي وأرى بكور الوقت… فقمت مسرعا لأنشط نفسي وأقوم ببعض الأمور فجرا…

ذهبت إلى الجامعة، وفي الطريق كنت أستمع إلى بعض المحاضرات المفيدة وأستغل وقتي… كتبت على ورقة صغيرة في سيارتي… سيكون اليوم مختلفا…

بدأت المحاضرات في الجامعة الواحدة تلو الأخرى… في البداية تكلمت في أحد ( الدكاترة ) واغتبته… ولكنني سرعان ما تذكرت تلك الورقة والعهد الذي بيني وبين نفسي… وبعدها جئت لأتكلم ثانية وتارة أخرى ولكنني أحسست بتأنيب الضمير… وأخيرا… جئت لأتكلم ولكنني كبحت جماح لساني وألجمت فمي عن الحديث بالسوء عن غيري…

الحياة جميلة إن عشتها كذلك أما إن أردت أن تتشاجر مع هذا وتحقد على ذاك وتجعل قلبك مليئا بالضغائن فلن تعيش طويلا…

أعلم أن الحياة مليئة بمنغصات العيش والضغوطات ومنها ما يفقد المرء أعصابه… ولكن الفارق يكون في طريقة استقبال هذه المشكلة… فذاك يعيش بقية يومه متكدرا… وذاك ينسى ولا يولي الأمر اهتماما…

اليوم على سبيل المثال وبعد أن قررت أن يكون يوما حافلا بالسعادة وجدت عدة مواقف تفقد المرء صوابه!

كان علي زيارة البريد السعودي لاستلام مفتاح صندوق البريد… وللعاملين في ذلك الفرع طريقتهم الخاصة في استقبال الزبائن، ولا أذكر أنني ذهبت إلى هناك دون مشاجرة، فهم يظنون أن كونهم جهة حكومية تجعل المواطن عبدا لديهم يشحذ منهم خدمته… ذهبت إلى هناك وبعد أن أوقفت سيارتي على طرف الطريق… ووقفت على عتبة الباب… تذكرت وعدي لنفسي في ألا أعكر شيئا يعكر صفو يومي وخاصة مع هؤلاء الذين نغصوا علي أياما كثيرة قبل هذا اليوم… دخلت هناك مبلَّد الأحاسيس… وخالي المشاعر… وكعادتهم حاولوا استفزازي بجودة خدمتهم! واعتبرت أن شيئا لم يحدث… وأن ما كان هو أمر أشاهده بشكل دوري في معظم الجهات الحكومية الخدمية… ثم خرجت وعشت بقية يومي مستمتعا… لا أعني هنا أن نكون ضعافا نقبل الظلم أو الذل، ولكن ما دام أن هذا الذي نتعامل معه قذر في تعامله دون أن يؤذيني فأذاه على نفسه، ومردود عليه، أما إن تعدى حدوده أو قصر في أداء واجبه وخدمته، فعند ذلك يكون لنا حديث آخر.

همسة : احذر أن تكون سكرا في كوب الحياة وأن تذوب بين من حولك ولكن كن مثل الشاي ! يغير من الآخرين دون أن يتغير… وينشر لونه على ما حوله ورسالته التي يريد إيصالها…

والآن قرر: هل أنت شاي أم سكر ؟!

 

Twitter del.icio.us Digg Facebook linked-in Yahoo Buzz StumbleUpon
كُتب في غير مصنف | إرسال التعليق