قتلها أهلها

قَتَلَهَا أَهْلُهَا

بقلم/ عبدالرحمن بن أحمد باجنيد

 

رأيتها تحت جنح الظلام باكية شاكية، تحاول أن تواري دمعتها، فما يزيدها ذلك إلا نحيبا، اقتربت منها على مهل علني أخفف عنها أحزانها، فلما رأتني انتفضت من مكانها كأن الرعد قد سرى في جسدها، اقتربت متعجبا ولم أفقه حديثها وسألتها من تكون، فقالت: أما علمت أيها العربي الخائن أنك تحمل اسمي وتهينه، ثمت تسألني من أنا؟!

قد تكون هذه القصة من نسج خيالي! ولكن ماذا لو كانت اللغة العربية إنسانا يتكلم ويتحدث، فماذا عساها تقول؟ أظن أنه لا يحق لنا أن نلومها فيما ستفعل بنا. ظهرت في الآونة الأخيرة حادثة عجيبة، وبدعة غريبة، غير أنها كانت في الماضي ولكنها انتشرت وهيمنت وغطت عنان السماء الآن، وهي استبدال العربية بالانجليزية (أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير)، ولا أجد تفسيرا لهذا إلا أنهم أناس قد انبهروا بلغة غيرهم المُزَيَّنة وتركوا لغتهم على حالها، هم كمن رأى الحمار عليه بعض الأوراق المقطعة الملونة ففضله على الحصان، وحاشا أن يكون الحمار حصانا ولو غنى كالبلابل وتكلم كالإنسان وزأر كالأسد! أولئك أقوام أفسدوا علينا لغتنا وظنوا الإنجليزية خيرا منها لأنهم لم يفقهوا لغتهم، ولا عرفوا بلاغتها وبيانها، ولا فصاحتها وتبيانها، فرموها بالعقم وعدم احتوائها لمستجدات عصرها، فيرد عليهم شاعر النيل ـ لله دره ـ قائلا على لسان العربية:

رموني بعقم في الشباب وليتني *** عقمت فلم أجزع لقول عداتي

ويبين كنوز العربية بقوله:

أنا البحر في أحشائه الدر كامن *** فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتي

ولكن من الذي يعرف مزاياها؟ غير الغواصين الذين قطعوا أعماقها حتى يعرفوها، قبل أن يغوصوا في أعماق الإنجليزية ليتشدقوا أخيرا قائلين:

“”We are cool because we can speak English

ألا خابت نواصيكم وتبت كل أيديكم، فوالله لا افتخار لمن لم يتقن لغته، كمن فرح بالفضة وترك الذهب، وكلاهما في متناوله، وبعض هؤلاء يريد أن يبين لك أن الحضارة قد أنثت طباعه الرجولية، وأنه من صنف الرجال ولا رجال، فتجده يرمي إليك كلمتين عربيتين وبينهما كلمة إنجليزية فيقول:

” والله شوف يا صاحبي نحن أمس كنا في ال Coffee Shop ناخذ لنا شوية Tea   Greenعشان Our health”

هل ينتظر هؤلاء الجهلة جائزة عالمية على ابتكارهم لغة جديدة؟ لغة العربيزي! وبما أنني طالب متخصص في اللغة الإنجليزية فإنني أرى من هذه الأمثلة كثيرا، فذاك أستاذ يقول لنا: أنتم متخصصون في الإنجليزية، وأسمعكم أيها الجهلاء تقولون: “دق المصعد”، وكان من الواجب عليكم أن تقولوا: “دق ال Lift”

وإن كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: “حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله ؟”

وقال ذلك في شأن من يتحدث بالعربية فلا يفهمه الناس، من لفه ودورانه، ولته وعجنه، يحاول أن يبين ضلاعته، كالذين يأتونك في بعض البرامج متشدقين قائلين:

“وإن هذا الأمر لا يفهمه سوى علماء الخبلوجيا الخبراء بالهبلوجيا الدارسين لعلوم الغرورجيا، أما أصحاب الغوغائية، والأنفس الارتوازية، فلا يفقهون قولنا!”

فهنيئا لهم لغتهم التي اخترعوها بكلمات عربية ومفاهيم غبية، ولا أعلم أن قس بن ساعدة خطيب العرب تكلم مثلهم، ولا أن المتنبي فعل فعلتهم، ولم يسبقهم بهذا أحد البلغاء والأدباء، بل إن من مناقب الأديب أن يكون أسلوبه سهلا ممتنعا، لا صعبا مروعا، كما أننا لم نسمع أن الصحابي الذي تعلم العبرية رضي الله عنه أتى بعد تعلمها يتحدث كلمة عربية وكلمة عبرية، وإن هذا الذي يقومون به لهو رأس التشدق والتبجح والتنطع، ولا أقصد بذلك استخدام بعض الكلمات التي لا يعني صاحبها التكبر بها على الناس، وإنما لأنها أصبحت من ضمن كلام الناس ـ مع الأسف ـ كقولنا (كوبري) بدلا من جسر، وقولنا (باص) بدلا من حافلة وغيرها من الكلمات.

وفي السياق: أذكر أنني ووالدي جلسنا يوما مع أحد الموظفين في إحدى الجهات فأخذ والدي يسأله عن عمله، فراح الأخير يشرح عمله بكلمة عربية وأخرى إنجليزية، ولله الحمد خرج والدي ولم يفقه شيئا مما قاله سيادة الموظف المهم اللبق المتعلم الحجة القاهر على أمره!

إن مثل هؤلاء لا بد وأنهم منقادون برباط الانهزامية للحضارة والتقدم الذي سار فيه الغرب فغلبونا، فرحنا وراءهم لا نراعي ما نأخذ، وإن كان هذا السبب الرئيس فإن على وزارات التربية والتعليم في الحكومات العربية وكذلك المربين والآباء أن يراعوا هذه المشكلة ولعلي أضع هنا مجموعة من الحلول:

أولا: إيجاد مدارس يمنع التحدث فيها بغير العربية الفصيحة، ويكون معلموها ممن حازوا من اللغة نصابها، وقد سمعت أن هذا النوع من المدارس موجود فعلا، وقد سمعت في المذياع بعض طلابها يتحدثون بعربية فصيحة دون أن يلحنوا، مع أنهم طلاب مدرسة ابتدائية، ولكن الفكرة يجب أن تنتشر لا أن تظل راكدة.

ثانيا: إنشاء معاهد لتعليم اللغة العربية، فإنه من أشد العجب، أن يكون في مملكتنا مئات المعاهد التي تعلم الإنجليزية ولا نجد سوى معاهد قليلة تعلم العربية، أهو زهد فيها؟ أم أننا مكتفون منها؟

ثالثا: يتم تنظيم هيأة أدبية في الدولة لها سلطتها مثل (هيأة كبار العلماء)، تكون مهمتها إيجاد مفردات جديدة لآخر مستجدات العصر، ويتم نشرها بين الناس قبل اعتيادهم على مفردات إنجليزية، فإذا ما وجدنا اختراعا كال Radio)) على سبيل المثال فإننا نحتاج من يترجم لنا هذه الكلمة ويجد لها مفردة عربية أصيلة وينشرها قبل أن يعتاد الناس على المفردة الإنجليزية فيصعب تغييرها عندهم، كما يؤكد على ضرورة سهولة هذه الكلمات لا أن نسمي ال (Sandwich) بشاطر ومشطور وبينهما طازج! فحينها وبلا شك لن يحب أحد العربية.

رابعا: يجب أن تتم مراجعة المناهج الدراسية الخاصة بالعربية، فوالله إنها اللغة الميتة لا الخالدة كما سموا كتابهم، فما عهدت المناهج الدراسية تعلم أبناءها أدبا ولا بلاغة ولا نقدا، وإنما يأتيك التعليق على كل قصيدة: امتازت القصيدة بجزالة الكلمات ووضوح العبارات ورقة المشاعر! ولو كتبت العبارة الماضية تعليقا على أي قصيدة فاضمن مني نجاحك في المادة! ولا أدري من وضع هذه الكتب التي تقتل الإبداع عند شبابنا في مهدهم.

خامسا: إن كنا نقول أن اللغة الإنجليزية يجب أن تعلم باللغة الإنجليزية وأنه يجب ألا يُتكلم في محاضرة إنجليزية باللغة العربية حتى يتطور المرء فيها، فكذا الأمر بالنسبة للعربية، فلماذا نتحدث بالإنجليزية في محاضرة اللغة الإنجليزية ولا نتحدث بالفصيحة في محاضرة العربية؟ تناقض!

سادسا: فتح المجال للشباب ليبرزوا إبداعاتهم، كإنشاء مجلة أدبية خاصة بشباب الأدب، ويشرف عليها مجموعة من التربويين الأدباء الذي ينمون مواهب هؤلاء الشباب.

سابعا: إن لغة كالعبرية كانت تنتحب وعانت في الرمق الأخير ولكن أهلها بدؤوا يهتمون بها حتى أصبحت لغة أكثر الأبحاث العلمية الآن، ونرى كذلك اهتمام الفرنسيين بلغتهم فهم وإن كانوا يتقنون الإنجليزية لا يتحدثون معك بها! وأذكر أنني في باريس ركبت في سيارة تاكسي وكان صاحبها يكلمنا بالفرنسية ولا نعقل ما يقول، حتى يئس من أن نفهمه، ثم بدأ يحدثنا بالانجليزية ويحاول تشجيعنا لنتعلم الفرنسية! فإذا كان هذا اعتزازهم بلغتهم التي لم ينزل بها قرآن ولا فرقان، فلماذا إذا تكون مناهجنا التعليمية باللغة الإنجليزية؟ هل وصلنا إلى هذا الحد من الذل والهوان!

ثامنا: يتم توعية الناس بأهمية اللغة العربية من خلال المحاضرات والمقالات والمهرجانات والطرق المختلفة الإبداعية، لا بطرق تقليدية ساذجة، ويتم إلقاء المحاضرات من أصحاب الاختصاص بعلم اللغات في هذا الشأن، لا كمن يأتي وكل همه أن يسب الإنجليزية ليبين فضل العربية! وكأن العربية ضعيفة في ذاتها فنحتاج أن نسب غيرها لنقويها، وفي نهاية المطاف يكون نصف كلامه خاطئا لأنه أساسا لا يعلم من العربية شيئا غير الدارجة منها ولا يعلم من الإنجليزية غير (Am, is, are) ثم يتبجح ويقارن.

تاسعا: أن توفر الدولة وظائف بحثية للأدباء، ويكون فيها تفرغ كامل برواتب مصروفة للأمور البحثية اللغوية، فإننا نعاني في هذا الجانب كثيرا من قلة الأبحاث، وإنك لو أردت أن تبحث في مجال مثل اكتساب اللغة الجديدة أو كيف اكتسبنا نحن لغتنا الأم أو كيف تؤثر اللغات على ثقافة الشخص وغير ذلك من الأبحاث المتعلقة باللغة لوجدتها قليلة جدا.

عاشرا: أن تقوم وزارة الثقافة والإعلام بمنع السخرية من اللغة العربية في أي برنامج أو مقال كان، فهذه البرامج التي تدعي الفكاهة وهي إلى السذاجة أقرب، تدمر عزة المرء بلغته، فيصورون لك من يتحدث بالفصيحة على أنه قرصان على إحدى عينيه لفافة سوداء ويقول: “قاتلك الله يا أبا لهب والله لقد ذهبت البعير ولم يبق في المدينة غير هؤلاء الرهط” ويلوي فمه أثناء الحديث، ولا أدري هل كان الأوائل يتحدثون هكذا حقا! ياللغباء!

أحد عشر: لا بد أن يكون وقت تعلم العربية كافيا، فإن مما يدعو للتساؤل كون الطالب يتعلم أربع حصص أسبوعيا في اللغة الإنجليزية وثلاثا في العربية؟! وقد علق أحد أساتذتي مرة قائلا: “والطلاب في النهاية بسبب ذلك تخرجوا لا يتحدثون العربية ولا الإنجليزية!”

أسأل الله أن يعيد إلى لغتنا هيبتها ووقارها، إنه على كل شيء قدير.

 

 

Twitter del.icio.us Digg Facebook linked-in Yahoo Buzz StumbleUpon
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف غير مصنف. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>