أنت لست (كيس ملاكمة)

بسم الله الرحمن الرحيم

التاسعة مساءً، السبت،
الرابع والعشرون من ذي القعدة.

كيسسمن الجيد أن تكوّن علاقاتٍ واسعة مع مختلف الناس باختلافهم واختلاف ميولهم وأعمارهم، وما من خطأٍ في هذا.
الخطأ أن “تُقدّس” علاقاتك هذه، وتعطيها قيمةً أكبر من ذاتك!
فتتجاوز عن شرٍّ يأتيك منها مرةً واثنتين بل وأكثر، وستكتشف يومًا أنك لم تعُدّ تلك التجاوزات لأن كل ما كان يدور في ذهنك هو المحافظة على هؤلاء الناس.

يؤذونك فتصمت، وأنت تُذكّر نفسك بمعروفهم يوم أمس، يُهينوك وتصمت أيضًا، وتعذرهم .. “فلربما لم يتعمدوا إهانتي”!
تمر شهورٌ طويلة دون أن يسألوا عنك بكلمة، تعذرهم كذلك “فلربما انشغلوا” ولهم سبعون عذرًا يعذرهم.
يحدثُ لك أمرٌ سار، فتذهب إلى أحدهم ليشاركك فرحتك، وتجده لا يُعيرك ولا يعير (فرحتك) أي اهتمام، بل وتجده يشكو إليك الماضي والحاضر والمستقبل -وسلّم لي على (فرحة)-، وبالتأكيد تعذره؛ فما فائدة الصديق إن لم يشكُ لك ماضيه وحاضره ومستقبله؟!
لا بأس إن كدّر عليك (فرحتك) وأنت في أوجها، أو إن جلبَت لك شكواه الضيق، فالمهم أن يرتاح (هو)!
ومن الطبيعي أن تدعهم يتدخلون في قراراتك الشخصية، ويُملونَ عليك ما تفعل وما لا تفعل؛ لأنك في داخلك قد أعطيتهم (مكانتك).
تحادثهم لتسأل عن أحوالهم، وإذ بهم يحادثونك كما لو أنك احتللت أرضهم، وسرقت مالهم، وهدمت دارهم، واقتلعت أشجارهم، وسحلتهم أرضًا، وعذّبت أمهاتهم حتى الموت ! ..
وبكل سذاجة تعذرهم “يبدو أن الدنيا قد ضاقت بهم”.

ودون أن تشعر تكون قد احتقرت نفسك وأهنتها، بل وسمحت لعلاقاتك (المقدسة) أن تحط من قدرك واحترامك!
من غير المقبول أن تسكت على خطأ الناس في حقك مهما كان يسيرًا، لأنهم سيكررونه دون أن يعلموا بأن تصرفهم يؤذيك، ومن الخطأ أن تبقى بالقرب ممن يُخطئ بحقك كثيرًا دون أن يتنبه أو يتوقف عن تكرار خطأه أو يأبه لذلك!
لسنا في زمنٍ تمنعنا فيه مشاغلنا من التحدث إلى أحدهم أو إرسال رسالةٍ قصيرةٍ لهم، فالسؤال عن حال أحدهم لا يستغرق أكثر من دقيقة.
لا بأس بأن نتشارك (بعض) همومنا التي تعلم أن بإمكاني مساعدتك في حلها، لكن أعطِ الفرح قيمةً أكبر من الهم والحزن ولا تحمّلني مالا طاقة لي به، فلا يعقل أن تجد إنسانًا يعيش حياتين مختلفتين مليئتين بالهموم والمشاكل دون أن يزور طبيبًا نفسيًّا.
قراراتك الشخصية وحياتك أمرٌ خاصٌّ بك، ولا يحق لكائنٍ من كان أن يُملي عليك أفعالك أو يجبرك على اتخاذ قرارٍ ما، تذكر أنه عقلـ(ك) وهي حياتـ(ك)، وأنت من ستتحمل نتائج أفعالك لا هم.
لستَ (كيس ملاكمة)، أنت إنسانٌ سامٍ لكَ كرامتك التي يُفترض أن تُقدسّها، لا تدع أحدًا يستبيحها بأعذارٍ لا قيمة لها ولا معنى، ليس علينا أن (نَفجُر) في وجه الناس إن كانت قد ضاقت بنا الدنيا، بإمكاننا أن ننعزل حتى تتسع لنا الدنيا مجددًا أو يتركنا عزازيل.

الخلاصة: أعطِ نفسك حقها ولا ترفع الآخرين فوقها، قدّس ذاتك وأكرمها، واترك عنك العلاقات الزائفة التي تضيق عليك حياتك ووقتك ونفَسَك،
نعم نعذر مرةً واثنتين وحتى السبعين .. لكن ليس على حساب أنفسنا وكرامتنا، نَلِين ولكن ليس بالدرجة التي تجعل من الناس يركبوننا،
نفسك أغلى من كل العلاقات، وحياتك ليست بيد الناس.

* استغرقت قرابة السبع سنوات لأفهم هذا الدرس، وبإمكاني القول أنه كان الأطول.

باسمة حسن جرّان

الثالثة وأربعة عشر دقيقة صباحًا، الأربعاء،
السابع والعشرون من ذي القعدة.

Twitter del.icio.us Digg Facebook linked-in Yahoo Buzz StumbleUpon
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف غير مصنف. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>