الأرض
الكرة الأرضية

حكايات من مسيرات العودة، (كيف لي أن أكون محايداً؟؟) ..!

أغسطس

25

منقول:

بقلم د.زهرة خدرج:

.

(2)

كيف لي أن أكون محايداً؟؟ (لا تكن مُحايداً في مواقف نُصرة الحقّ)

.
كان قدري أن أكون الابن الوحيد لك يا أبي بين خمسة من البنات، أعتقد أنك لهذا السبب تحديداً كنت دائماً تغرس فيَّ ومنذ طفولتي المبكرة أن أكون محايداً في كل شيء، في آرائي، حبي للوطن، سلوكياتي، كلامي … كنت تطلب مني دائماً أن أسير إلى جانب “الحيط أطلب الستر”، لا يجب أن أبدي رأيي أو إعجابي بفكر أو عمل فصيل سياسي أو عسكري، ممنوع أن أذهب إلى المسجد عند كل صلاة، فحتى الصلاة في المسجد يجب الاعتدال فيها..
كلماتك التي كنت تقدسها دائماً: لا تتدخل في شيء، ليس لك علاقة.. لن تقيم الدين في مالطة، فأنت لن تصلح الكون .. أناس كُثر غيرك حشروا أنفسهم وخرجوا بخيبات قضت على مستقبلهم .. انتبه لنفسك، مصلحتك أهم شيء لأنك إن وقعت لن يسأل أحد عنك، ” أنا و من بعدي الطوفان “كانت هذه الكلمات التي ترددها على مسامعي دائماً يا أبي، كنوع من تقديس الحياد الذي فيه سلامة الفرد وأمنه كما كنت تقول .. بيد أن كلامك الذي كان يتمكن مني في صغري ويجعلني أرى نفسي إنساناً حقيراً على الهامش لا قيمة له، إنسانا متفرجا على الأحداث لا يشارك في صنع أي منها .. حياته تنساب من بيد يديه دون أن يفعل شيئا يشعره بقيمته كإنسان ..

.

قالوا يا أبي:” الحياد لعبة الأوغاد”, فهل تريدني أن أكون وغداً في نظر نفسي؟ وقالوا أيضاً: “إن المحايد لم ينصر الباطل ولكنه خذل الحق”.. فهل ترغب يا والدي أن أكون ممن يحتقرون أنفسهم بخذلانهم للحق؟ الحق واضح يا أبي وضوح الشمس في السماء، والباطل أيضاً تكشف تماماً دون أي لُبس، فكيف تريدني أن أبقى محايداً بعد كل ذلك؟.

.
أقسم لك يا أبي أنني كنت أحسد فتية يقولون آرائهم بشجاعة وصوت عالٍ، لا يخافون، لا يترددون، لا يعبؤون بما قد يحدث لهم بعد ذلك.. أشاهدهم يتسلحون بأدوات بدائية، يرقبون اقتراب الجيب الصهيوني ليمطروه بالحجارة والزجاجات الحارقة وعلب الدهان .. وأنا أرقبهم من بعيد في حلقي غصة تخنقني .. أجر أذيال خيبتي عائداً إلى البيت حتى لا أخرج عن صف الحياد فأشتري أمني وسلامتي.

.
أعلم يا والدي الحبيب، أنك مغتاظ مني بشكل لا يوصف، ها أنت ترفض زيارتي في السجن المرة تلو المرة، وتصر أن لا تبعث لي برسائل وكلمات تشد بها أزري وتعينني على تحمل أسري ووحدتي، وها أنت تتخلى عني في وقت أحتاجك فيه إلى جانبي حتى ولو بدعوة في جوف الليل يفرج الله بها كربي .. ألأني ملت عن حيادك الذي رسمته لي وسرت عليه باستكانة طوال سنواتي العشرين الماضية؟.

.
أرجوك يا أبي، لا تغضب مني، فأنا لم أستطع أن أكمل حياتي نذلاً تافهاً فارغاً.. أعبر الحياة وأمضي منها دون أن يكون لي موقف أو رأي .. أنا الآن فخور بنفسي، لأني ترجمت المشاعر التي كنت أحبسها في صدري إلى كلمات وأفعال عبرت بها عن وقوفي إلى جانب الحق ..

.
أعلم أنني لم أفعل الكثير، كل ما فعلته أني غيرت صورتي أمام نفسي، لم أعد ذلك الشخص الأناني الحقير المدلل، الذي يسمع صرخات أمهات الشهداء وبكاء الأطفال الجرحى وأنين زوجات الأسرى دون أن يعبأ بأي منها..

.

أعلم أن تغريدة على تويتر أو منشورا على فيس بوك، أو حجراً أقذفه في المقلاع على برج مراقبة يقف كالقلعة في وجوهنا يتحصن فيه أعداؤنا ويصطادوننا كما العصافير.. أعلم أن ذلك قد لا يحرر أوطانا، وقد لا ينصر أمة، ولكن أمثالي يعبرون بذلك عن أنفسهم ومواقفهم، ويخبرون الحق وأهله أنهم معهم، يحبونهم، ويدعمونهم، وإن أتيحت لهم الفرصة، واحتاج لهم الحق يوماً لن يقفوا على الحياد متفرجين، بل سيشدون عضده وينصرونه .. وأظن أن ذلك آتٍ لا محالة.


د. زهرة خدرج

.

Twitter del.icio.us Digg Facebook linked-in Yahoo Buzz StumbleUpon
Profile photo of طارق سليم

نبذة قصيرة عن طارق سليم

²√■ⁿ≡µï░«┴»▒«┬»▓┌غريب ومسافر لحالي ودروب الايام تعابه أدور المنزل العالي أزايم الحمل وارقى به ما احب انا المركز التالي الاول اموت واحيا به وش عاد لو ثمن غالي روحي على العز وثابه ماهمني جمع الاموال زهاد بالمال واصحابه
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف غير مصنف. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

أضف تعليق

Visitor Counter
اتصل بنا | سياسة النشر
جميع الحقوق محفوظة لجامعة الملك عبد العزيز ©