حياتي أون لاين

مر على تاريخ البشرية العديد من الثورات و الأحداث الفاصلة التي غيرت شكل الحياة البشرية الى الأبد. اختراع العجلة، قانون الجاذبية،اكتشاف البترول، الحروب العالمية، قنبلة هيروشيما، الهبوط على القمر،الثورة الزراعية، الثورة الصناعية و غيرها من الأحداث التي شكلت مستقبل البشر على هذا الكوكب. إلا انه و على مر السنين كانت العلاقة دائماً بين التاريخ و الجغرافيا متغيرة و كل منهما يؤثر على الأخر بشكل مختلف. فالنزاعات البشرية و التي غالباً ما كانت تحركها الأطماع الجغرافية شكلت التاريخ و كتبت صفحاته. إلا اننا و لأول مرة بالتاريخ قد نكون قد بدأنا بالفعل كتابة التاريخ بعد سقوط الجغرافيا للأبد. فحركة العولمة (Globalization) و التي بدأت في التشكل فعلياً عام 1950م أذابت كل الفواصل الجغرافية و بدأت فعلياً بتحطيم الحدود الجغرافية بمختلف الأدوات. إلا ان هناك أداة واحدة شكلت الضربة القاضية لجغرافية الكرة الأرضية.

كان البدء الفعلي لإستخدام الإنترنت عام 1982م (و إن كان العديد يرجعون التاريخ الحقيقي للإنترنت الى عام 1969م عندما قررت وزارة الدفاع الأمريكية أنشاء وكالة مشاريع الابحاث المتقدمة (ARPA)) إلا انه و في ذلك العام انتقلت فكرة العولمة من الأنظمة و السياسات الإقتصادية الى العقول البشرية و الحياة الإجتماعية لتعمل على إذابة ما تبقى من الفوارق و الإختلافات بين الشعوب التي رسمتها على مر التاريخ الجغرافيا.

اليوم أصبحت نقاشاتنا اون لاين و تعارفنا اون لاين و صحافتنا اون لاين و معاملاتنا الحكومية اون لاين بل حتى ثوراتنا حركتها أسطر قليلة نشرت اون لاين. و لعل هذه المدونات هي احد نتائج هذه الأداة و التي اصبح بإمكانك من خلالها ان تغوص في افكار و تستعرض اراء ملايين البشر الذين ينشرونها على هذه الشبكة و التي تشير أحد الإحصائيات ان هناك حوالي مدونتين تنشر على الإنترنت كل ثانية!! و بشكل أخر انه و خلال قرائتك لهذه المدونة تكون هناك حوالي 30 مدونة جديدة تم نشرها على الإنترنت.

بمعنى أخر تقلصت خصوصياتنا، و اصبحنا نتقبل ان ننشرها على حوالي 7 بليون مستخدم للإنترنت حول العالم. فصور رحلاتنا العائلية و احداثنا الأسرية اصبحت اكثر تداولاً على المواقع الإجتماعية المختلفة، نجاحاتنا و إخفاقاتنا، دراستنا و لهونا جميعها اصبحت أون لاين. و لكن السؤال الذي لم يفارق عقلي و انا اراجع نسبة نمو مستخدمي الإنترنت حوال العالم و التي وصلت الى 444% سنوياً، هل سنتحول من اجساد بشرية و مشاعر أدمية الى مجرد أسماء مستخدمين و عقول إفتراضية يمكن تصفحها على شاشات الكمبيوتر؟؟؟

د.حسان حسني شاولي

رئيس قسم التخطيط الحضري و الإقليمي

كلية تصاميم البيئة

Twitter del.icio.us Digg Facebook linked-in Yahoo Buzz StumbleUpon
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف غير مصنف. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.