الهوية

من نحن؟ و من اين جئنا؟ و ماذا نشكل؟ ما هي قيمنا ؟ ماذا نعني للآخر؟
الهوية ما هي ؟ هل هي تلك القشرة الخفيفة التي نغطي بها انفسنا لنبدو متشابهين ؟ ام هي تلك الروابط الخفية التي تربطنا بأماكن و اناس و ذكريات مختلفة عن تلك التي تبدو علينا؟ ما هي هويتي؟ كانسان ؟ كادمي؟ ككائن حي خلقه من خلق الدواب و الطير و النبات و أودع في ذلك الجسد العقل و الروح .
يعرف علماء اللغة الهوية على انها مجمل السمات التي تميـّز شيئا عن غيره أو شخصا عن غيره أو مجموعة عن غيرها. فهل كان حب التميز هو الأساس في الهوية ، ام حب الانتماء الى المجموعة؟ هل الهوية تكمن في رغبة الشخص في المطالبة بحقة او على الاقل إثباته؟ هل تشكل العناصر الملموسة و المحسوسة في شخصية كل منا جزء من تلك الهوية ام انها تلك الهالة الخيالية التي ترتبط بافكارنا و معتقداتنا؟ هل نؤمن بان هويتنا الوطنية هي في ملابسنا و لغتنا فإذا وحدناها توحدت هوياتنا. لقد تخلى راعي البقر الامريكي عن قبعته و ترجل عن حصانه فهل فقد هويته . و لم يعد الاسكتلندي يلبس إزاره ( الكلت ) الا في الأعياد الوطنية فهل ضاعت الهوية الإسكتلندية . هل هويتنا تكمن في زيارتنا للمسجد خمس مرات في كل يوم و صيام شهرا في السنة او التصدق على الفقراء نهارا تكفيرا عن ذنب اقترفناه ليلا. هل هويتنا هي ما نتحدث عنه علنا ام ما نمارسه فعلاً.
لقد اثار إدوارد سعيد فضولي و هو يكتب عن الهوية و يدافع عن القضية و الهوية الفلسطينية و هو يعيش وسط مجتمع مؤيد للإسرائيليين و مؤمن بان العرب نالوا ما يستحقوا. الا ان هذا ليس الشيء الوحيد المثير للغرابة ( على الاقل بالنسبة لي)، فادوارد سعيد مسيحي فلسطيني الاصل امريكي الجنسية ترعر بالقاهرة و تعلم بدءا من مدرسة القديس جورج ثم كلية فيكتوريا الى ماونت هيرمون في ماساتسوشتس انتهاءا بهارفرد ثم استاذا في جامعة كولومبيا. إذن نحن بصدد شخصية لا ترتبط بالهوية الفلسطينية بالشكل الذي يمكن ان يقبل منه بالشكل التقليدي للهوية. لقد كانت هوية ادوارد الفلسطينية ( من وجهة نظري) عبارة عن ذلك الخيال الذي هرب اليه أدوارد دفاعا عن نفسه و مكانته و شخصيته وسط مجتمع رفض تقبله حتى و ان بدى غير ذلك. فالمسيحي الشرقي ليس كالمسيحي الغربي و بالتالي الامريكي الشرقي ليس كباقي الأمريكيين و ان حملوا نفس جواز السفر و تغنوا تحت نفس العلم.
ان عناصر الهوية هي شيء متحرك ديناميكي يمكن أن يبرز أحدها أو بعضها في مرحلة معينة وبعضها الآخر في مرحلة أخرى و ذلك فقط استجابة او ردة فعل لقوة خارجية تتعرض لها النفس البشرية اي نفس و كل نفس. هي موجودة و لك مطلق الحرية ان تتجاهلها او تهملها لكنها ستظل موجودة و سوف تستخدمها اذا احتجتها. هل كان لصهيب الرومي و بلال الحبشي نفس هوية عمر بن الخطاب و خالد ابن الوليد؟ الم يكونوا بشرا كسائر البشر ؟ تتملكهم تلك المشاعر البشرية في الاجابة على نفس السؤال ، من نحن و من هم؟ ان عظمة نبي هذه الامة (ص) لا تكمن فقط في صبره و حكمته و حلمه بل هي في معرفته لطبيعة النفس البشرية و فهمة لمدلولات مكوناتها و عيوبها. ان حجر الأساس لهذا الدين و الذي سمح له ان يستوعب كل البشر مهما اختلفت اجناسهم و افكارهم هو انه لا فرق بين عربي على عجمي الا بالتقوى. فصهيب الرومي لم يستفز و لم ينتقص من بلال الحبشي فلم يلجأ اي منهما الى البحث عن هويته المفقودة ليثبت وجوده و حضوره.
ان الهوية كما أراها اليوم، هي مخرج الطواريء الذي دائماً ما تلجأ اليه النفس البشرية للهروب لكن ليس الى الأسفل ، بل الى الاعلى لإثبات الوجود و الحضور و التميز او حتى للإنفصال عن واقع ترفضه و لا ترغب ان تكون جزء منه.

Twitter del.icio.us Digg Facebook linked-in Yahoo Buzz StumbleUpon
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف غير مصنف. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.