حج و بيع سبح

المتابع للبرامج التلفزيونية خلال شهر رمضان يفهم تماماً ما ترمي له هذه العبارة. فكلا على ليلاه يغني ، و كما توجد مواسم في علم الاقتصاد يزدهر فيها البيع و الشراء، يتكرر نفس الشيء في الإعلام و القنوات الفضائية. فشهر رمضان موسم لكافة أنواع البرامج المنوعة من خطب و مواعظ و مسلسلات و فوازير و مسابقات و ان أضيفت اللقاءات الحوارية السياسية و الأخبار هذا العام بسبب الأحداث في سوريا و مصر.
لا ينكر احد العلاقة الروحانية الخاصة لهذا الشهر الفضيل لدى عامة الناس. فشهر رمضان من وجهة نظري هو الشهر الذي يجعل لباقي الشهور معنى و طعم آخر ، هو الشهر الذي يجعلك تدعوا الله ان يبلغك إياه العام المقبل و يعينك على صيامه و قيامه. لذلك و من غير المستغرب ان ينشط مشايخنا و دُعاتنا الأفاضل خلال هذا الشهر لاستغلال العبير الروحي لشهر رمضان لترميم و تذكير النفس بما فاتها و تحفيزها لتدارك ما هو آت.
إلا ان أسلوب هذه الدعوات و هذا النشاط اصبح غريبا في وجهة نظري و غير مبرر. تعودنا و منذ القدم ان يذكرنا مشايخنا بتاريخنا العظيم و نهضة امتنا السابقة رغبتاً منهم في إستثارة حماسنا و تشجيعنا على النهوض من جديد. جميل و رائع و جزاهم الله كل خير، لكن المستغرب بل و المثير هو أسلوب العرض الحديث. فالأول قرر ان يكون موضوعه التسامح الديني و التعايش في عاصمة الضباب لندن. فيروي لنا شيخنا الأحداث و القصص و الأمثلة و هو يسير في شوارع لندن و حدائقها و زخات المطر تتناثر حوله. و الثاني قرر ان تكون الأندلس قصته و موضوعه. فيسير على شواطئ إسبانيا ليرينا من اين عبر طارق ابن زياد و يتجول في قصر الحمراء و حدائق إشبيلية. و الثالث يحكي لنا عن مشقة السفر و حكمة الله في الترخيص للمسافر و طبعا لا يمكن وصف تلك المشقة إلا و هو قائد سيارته في طرق أوروبا السريعة. و حقيقة اعتبر اكثرهم ذكاءاً هو الذي قرر ان يكون برنامجه عبارة عن مذكرات لسائح و لك الجلوس امام التلفاز و التأمل و الاستفادة من الموعظة الحسنة طبعا من كل دول العالم.
أتمنى ان لا ينسى مشايخنا الهدف الأساسي من تقبلنا و سماعنا لدعواتهم لنا، و هو الدعوة الى الله بالموعظة الحسنة و الحكمة. و لنا في نبينا قدوة حسنة، فالنبي اخرج هذه الأمة من الظلمات الى النور و نشر دعوته بكلمات كان يقولها و هو على منبره او ماشياً في أزقة المدينة المنورة الرملية لأصحابه. رفع يديه الى ربه يشكوا ضعف قوته و قلة حيلته و هوانه على الناس و قد اختضبت قدماه الشريفتين بالدماء و شجت راسه في الطائف. و فتح عمر ابن الخطاب القدس و هو نائم تحت شجرة بالمدينة. و إن كان من التواجد في الموقع أهمية للتأثير على المشاهد فلماذا لم نشاهدهم و على الاخص في هذه الايام في بغداد العباسيين او دمشق الامويين او حتى قاهرة المعز الفاطمي، أم ان الموضوع تخطى الدعوة و اصبح حج و بيع سبح.

Twitter del.icio.us Digg Facebook linked-in Yahoo Buzz StumbleUpon
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف غير مصنف. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.