كيف نشأ علم التغذية؟

بقلم المهندسة / مـي البيـك

جامعة الملك عبد العزيز

هندسة علوم الأعذية

عرف الانسان التغذية منذ وجوده على وجه البسيطة، اذ كانت شغله الشاغل وأولى احتياجاته. في البداية كان الانسان يعتمد على الطعام القريب منه، فكان يعيش على الثمار والحبوب والخضار البرية وصيد الاسماك ولحوم الحيوانات البرية، ولم يعرف في هذه الحقبة التركيب الكيميائي للغذاء والحاجة اليومية له او استقلابه، وبالتالي اعتمد هذا الغذاء على مدى توفره في منطقة محددة وعلى العادات والتقاليد فمثلاً في اسيا يعتمدون على الأرز ويعتمدون في مصر على القمح. إلا أنه لم تخلو هذه الحقبة بالذات والتي امتدت إلى القرن السابع عشر من بعض الأفكار العلمية، فمثلاً قول أبو الطب أبقراط “طعامكم دواؤكم ودواؤكم طعامكم”، وقول ابن سينا “اعدل عن الدواء إلى الطعام”، وكذلك قول رسولنا الكريم صلوات الله عليه “المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء”.

أما الحقبة التي تليها فهي الحقبة الثانية والتي بدأت في آواخر القرن السابع عشر بإشراف العالم الفرنسي لافوازييه، وضع لافوازييه حيوان داخل غرفة محاطة بالثلج، وربط بين كمية الثلج المذاب مع كمية غاز ثاني أوكسيد الاكسجين المطروحة مع هواء الزفير، أي ربط بشكل مباشر مابين الانتاج الحراري لجسم هذا الحيوان مع غاز ثاني أوكسيد الكربون المطروحة بالاعتماد على كمية الثلج المذاب، وبعد ذلك ربط كمية ثاني اوكسيد الكربون المطروحة خلال هواء الزفير مع الاكسجين المستنشق، وبين أن كمية الاكسجين المستنشقة ترتبط مباشرة مع كمية الغذاء المتناولة في الوجبة الغذائية.

بدأت الحقبة الثالثة بظهور أبحاث تبحث عن التركيب الكيميائي للغذاء، وذلك في النصف الثاني من القرن الثامن عشر. تم تقسيم الغذاء إلى ثلاث أقسام، كربوهيدرات (سكريات) ودهون وبروتينات. من أهم الباحثين في هذه الفترة العالم الألماني ليبيغ الذي بين أهمية الكربوهيدرات والدهون في توليد الطاقة من خلال تأكسدها في الجسم كما افترض أن مصدر النتروجين في البول هو البروتين. ويعتبر فويت الألماني من رواد علم التغذية في هذه الحقبة، حيث بين فويت أن بناء وتكوين أنسجة الجسم يفرضان الحاجة إلى البروتين أما الحاجة إلى الكربوهيدرات والدهون فتفرضها كمية العمل الميكانيكي الذي يقوم به الجسم. ومنهم أيضاً أتواتر الذي يعتبر أبا التغذية في أمريكا واشتغل بقياس وتحولات الطاقة في الانسان وأسهم في وضع ونشر أول جدول لقيم محتوى الطاقة في الأطعمة.

بدأت الحقبة الرابعة باكتشاف العناصر المعدنية والفيتامينات في أواخر القرن التاسع عشر، حيث اكتشف العديد من الامراض التي كان سببها نقص العناصر المعدنية والفيتامينات، مثل مرض الكساح الذي سببه نقص عنصر الكالسيوم ومرض الاسقربوط الذي سببه نقص فيتامين سي والذي أصاب البحارة في رحلة ماجلان الشهيرة وكان سببه تناول نوع واحد من الطعام لفترة طويلة دامت لأشهر فأصيب البحارة على متن السفينة بنزيف اللثة وسقوط الأسنان والموت أحياناً ومالبثت هذه الأعراض بالاختفاء بعدما وصل البحارة إلى اليابسة وتناولوا الخضراوت والفواكه المتنوعة ومن هنا طُرحت فكرة احتواء الغذاء على بعض العناصر الضرورية لحياة وصحة الجسم. بدأت الأبحاث تتوالى مشيرة إلى دور هذه العناصر المعدنية والفيتامينات في الحد من العديد من الأمراض، ولو إنه أتت تسمية الفيتامينات بهذا الاسم بشكل متأخر من قبل العالم فونك 1912م فكان المقطع (فيت) يعني الحياة باللغة اللاتينية أما المقطع (امين) فيعود لأن أول مركب تم اكتشافه من هذه المركبات هو مركب أميني، وبقي مسمى الفيتامينات مطلقاً على الرغم من أن الاكتشافات اللاحقة عزلت بعض الفيتامينات التي لا تحوي مركب الأمين.

أما الحقبة الحالية التي تمتد من القرن العشرين حتى يومنا هذا ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالعلوم الأخرى مثل الكيمياء الحيوية والطب السريري والفيزيولوجيا وغيرها. فلتصميم أي نظام غذائي لايكفي ماهي الكمية التي تكفي اعطائها يومياً بل يجب أن يراعى الاهتمام  بالنواحي الاستقلابية لهذا الغذاء وتحلله الاستقلابي داخل الجسم، لهذا السبب تتسم هذه المرحلة من مراحل تطور الغذاء بصفة التغذية العلاجية. ووضعت المفاهيم الأساسية للغذاء والتغذية والحِمْية وعلم تغذية الانسان. فعُرِّف الغذاء بأنه كل مادة تدخل الجهاز الهضمي عن طريق الفم بغية امداد الجسم بالمواد اللازمة للعمليات الاستقلابية. وتعرف المواد الغذائية بأنها مجموعة المواد العضوية أو اللاعضوية التي تدخل إلى جسم الانسان وتستخدم لعمليات البناء أو الطاقة أو عمليات التمثيل الحيوي. وتعرف الحِمْية أو الريجيم وهي كلمة فرنسية الأصل بما يوصف للانسان السليم (المعافى من الأمراض) والمريض من أنواع غذائية خاصة لكي توافق حالته الصحية او لتقيه من بعض الامراض ولاسيما امراض سوء ونقص التغذية فيصرح للانسان بما يفيده ويمنع عنه مايضره وقد تكون الحمية أساس العلاج في كثير من الأمراض. أما علم تغذية الانسان فهو عبارة عن العلم التطبيقي الذي يدرس احتياجات الانسان المختلفة من الغذاء وفي مراحل العمر المختلفة وفي مختلف الظروف من صحة ومرض وعوامل اجتماعية واقتصادية ومناخية، كذلك يدرس العمليات الاستقلابية التي تتم داخل الجسم والتي تشمل الهضم والامتصاص والاستقلاب، وكذلك يدرس أعراض نقص العناصر الغذائية والسبل المتاحة للحد من ظهور نقص هذه العناصر، وكذلك يدرس العمليات التصنيعية التي يتعرض لها الغذاء من طبخ واضافة المواد الملونة والحافظة وغيرها، ويدرس العمليات الزراعية مثل التسميد ورش المبيدات وتأثيرها على الصحة، وبذلك يهدف على حصول الانسان على الغذاء الذي يحوي على جميع العناصر الضرورية والتي تكفل له المحافظة على الصحة والنشاط الحيوي.

Twitter del.icio.us Digg Facebook linked-in Yahoo Buzz StumbleUpon
هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف التغذية, الصحة. الأوسمة: , , , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

2 تعليقين على: كيف نشأ علم التغذية؟

  1. bouhedli كتب:

    شكرا لكم

  2. افنان ابو الحسن كتب:

    جزاكم الله خيرا على اهتمامكم

اترك رداً على افنان ابو الحسن إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>