القاعدة الذهبية للعلاقات الشخصية

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

القاعدة الذهبية للعلاقات الشخصية

 

 

الحمد لله على نعمائه والشكر للمولى على آلائه، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

عباد الله العلماء والحكماء، لديهم أقوال مثل الكنوز التي إن تأملنا فيها وجدنا معاني عميقة تثري حياتنا وترقيها، وقبل ذلك حديث المصطفى -صلى الله عليه وسلم- ففيه معاني عظيمة، فلنتأمل في إحداها، فعنْ أبي هريرة قَالَ رَسُولُ اللَّهِصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : “أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا مَا , وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْيَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْمًا مَا“. رواه الترمذي في (( الجامع )) ( 6/123/2065 ) وقال العلامة الألباني ـ رحمه الله ـ في (( غاية المرام )) 273/472 : (( قلت : إسناد حديث أبي هريرة عندي جيد …)).

درر كثيرة في هذا الحديث الشريف من الدروس والعبر والمعاني، ومنها قاعدة ذهبية في كيفية الحكم على الأشخاص من النظرة الأولى أو اللقاء الأول، وتوضيح آثار هذا الحكم ونتائجه، بتوجيه رفيق وراقي من -رسول الله صلى الله عليه وسلم- بالإضافة إلى فوائد كبيرة نحققها -بإذن الله- من خلال تطبيقنا لهذا الحديث الشريف.

القاعدة الذهبية في هذا الحديث هي طريقة في متناول كل الأشخاص أن يستعملوها، فالرسول الكريم -صلوات ربي وسلامه عليه- يقول: (( أحبب حبيبك هونًا ما …)) كلمة هونًا ما فيها من البلاغة الشيء الكثير، فتدل على معاني متعددة بشيء من الرفق، ومعناها حبًا بدون إسراف أو مبالغة، ثم يخبرنا لماذا، ((عسى أن يكون بغيضك يومًا ما …)) حتى لا يتحول حبك له في يوم من الأيام إلى بغض وهذا ممكن، ثم تندم على حبك إياه. ثم يقول: ((وأبغض بغيضك هونًا ما …)) حتى الشخص الذي تبغضه لا تبالغ في بغضه، ويبين الحكمة من ذلك، ((عسى أن يكون حبيبك يومًا ما)) لربما من تبغضه لا يكن لك البغض، ولكن يكن لك الحب والتقدير وأنت لا تعلم، ولربما صنع لك معروفًا عظيمًا في يوم من الأيام فتستحي منه وتندم.

روائع الفوائد كثيرة من تطبيق هذا الحديث الشريف ومنها فائدة مهمة جدًا وهي الوقاية، الوقاية من الصدمات العاطفية، عندما تحب شخصًا ما وتفرط في حبه فتنصدم فيما بعد بحقيقته التي غابت بسبب حبك المفرط، لذا فأحببه هونًا ما، حبًا هينًا ليس مبالغًا فيه، أيضًا الوقاية من أذى هذا الشخص الذي قد يتعدى إلى ماهو أكثر من الأذى العاطفي، وهذا عندما تحبه حبًا مفرطًا فتضع كل ثقتك فيه، وهناك الكثير من القصص والمواقف الموجودة في المجتمعات التي تثبت ذلك، حتى وصل الأمر لبعض الأشخاص أن جعلوا من أصدقائهم على سبيل المثال أحبابًا ووضعوا فيهم كل ثقتهم وظنوا أنه لايمكن أن يخطئ عليه أصدقاؤهم أو يؤذونهم بعمد أو بغير عمد، لكن ليس هناك إنسان معصوم من الخطأ إلا الأنبياء -عليهم الصلاة والسلاة- فكشفوا بعد سنين طويلة حقيقة بعض أصدقائهم، ألم نسمع عن بعض العشاق كيف أنهم أنهوا حياتهم إنتحارًا بسبب الصدمات العاطفية؟ ومشاكل أخرى كثيرة تدمي العين والقلب في مجتمعاتنا بسبب الإفراط في الحب والبغض.

حتى أيضًا الوقاية من أضرار أخرى للحب المفرط، مثل التعلق بالمحبوب، والإفصاح له عن الأسرار، والعديد من الآثار السلبية الأخرى، التي تؤثر بشكل مباشر على حياة الإنسان بقدر إفراطه في الحب.

 من فوائد تطبيقه أيضًا، عدم التسرع في الحكم على الأشخاص من أول نظرة أو أول لقاء، فمع الأيام سنعرف حقيقة الشخص الذي تَسرَّعنا في حبه أو تَسرَّعنا في بغضه.

بهذا الحديث معنى جميل للحب والبغض، وأنهما ليسا مجرد مشاعر، بل أن تلك المشاعر يمكن أن تمتد إلى أعماق حياتنا وقد تأثر علينا وعلى حياتنا بالكامل سلبًا أو إيجابًا.

فحتى خيار الناس لا يعرفون فقط بمظاهرهم، فلربما إنسان كان عبدًا وتحرر، بشرته شديدة السواد، أعور العين، مجعد الشعر، أعرج القدم هو العالم الجليل عطاء بن أبي رباح، سيد العلماء والتابعي الجليل، كان بهذه الصورة ولكنه في حقيقته عالم فاق أهل عصره بالعلم والزهد.

لنحط علاقتنا شريطًا من الحب الحكيم والبغض الحكيم، فأحبب ولكن هونًا ما، وأبغض ولكن هونًا ما، حتى نَقَي أنفسنا من أذى الناس، ونعرف كيف نحكم عليهم، حتى لانفسد علاقاتنا، فهونًا ما، لتستقيم الحياة.

وكتبه

عبد الرحمن أحمد بخش

كاتب وباحث

١/١٢/١٤٣٢

Twitter del.icio.us Digg Facebook linked-in Yahoo Buzz StumbleUpon
Profile photo of عبد الرحمن أحمد بخش

نبذة قصيرة عن عبد الرحمن أحمد بخش

كاتب وباحث ومدرب
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف إيمانية, التنمية البشرية, فكري وفلسفي وتأملي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.