و تستمر الحكاية ٥.. لعبة التخمين !!

 breast-cancer

 

أنام على سريرٍ أبيض في حجرةٍ مطلةٍ على البحر.. و حولي كل من أحب.. زوجي.. والديَ.. أخواتي.. أسرتي.. دعمهم يدفعني إلى الأمام..أحاول أن أتخلص من هموم المرض..و أخوض مع كل من يزورني أحاديثًا عادية حول الطقس و الأبناء و أحوال الإجازة.. لأنها تشعرني بالحياه.. و تمسح من عيونهم نظرة الشفقة التي لم تكن تريحني و تشعرني بضعفي..

و رغم الأحاديث الجانبية العابرة و الضحكات و الدعوات، لكن عقلي كان يضج بالتساؤلات.. و أحاور نفسي أحاديث لا تكاد تنتهي.. أراجع و أقيم شريط الذكريات .. و ألعب مع نفسي لعبة التخمين ..

ياترى ما الذي صنعته في حياتي لأستحق هذه الإصابة؟

يا ترى كيف أصبت بالمرض في سن التاسعة و العشرين من عمري ؟

ماذا صنعت ؟ و أي درب خاطئٍ سلكت؟

هل هي عقوبة من الله؟ أم نتيجة حتمية لأساليب حياتية غير صحية؟

لم أكن أُفصح عن تساؤلاتي لمن حولي حتى لا أزيد همومهم.. و أحاول أن أقنع نفسي بأن أتوقف عن التخمين .. و أمضي في رحلة التعافي، فالماضي قد ولّى و الحاضر و المستقبل بانتظاري..

و طوال رحلتي كان من حولي يهدونني زياراتهم الغالية سواءً في المستشفى أو في منزلي..

و في بعض أيامي كنت أحظى بزوار يملأون نفسي أملًا و يدفعونني قدمًا في درب الشفاء.. فتلك صديقةٌ لأمي تزورني لتبلغني أنها أصيبت بسرطان الثدي قبل أكثر من عقدٍ من الزمان و منّ الله عليها بالشفاء و تمنحني من وقتها و دعمها الكثير..

و أخرى تمضي في رحلة الشفاء منذ إصابتها من ثلاث سنوات ، جاءت لتذكرني بأننا نخبة اختارنا الله ليختبرنا..

و هذه صديقتي تهديني كيسًا لأدوية عشبية طبيعية صنعته والدتها بعناية لتعينني على التشافي و مقاومة آثار الكيماوي..

و أيامٌ أخرى تأتي بنوعٍ آخر من الزوار.. إحداهن تعابتني لأنني استعجلت في إجراء العملية.. لأن القرآن شفاءٌ لكل داء لكل من يؤمن و يعتقد على حد قولها ..و أقول و نعم بالله و كتابه و آياته .. و عقلي يسألني: هل زارت وجداني و قاست قدر إيماني؟!

و أخرى تؤكد لي أن هذا المرض الخبيث انتشر بين الشباب لأنهم يعيشون حياةً لا مبالية و عاداتهم الغذائية غير سليمة و لا يحرصون على صحتهم .. و أبادر نفسي:” هل أنا منهم؟! و أي قدوةٍ أمثل لصغاري إن كنت كذلك؟”

و كانت القشة التي قصمت ظهرًا أثقلته الهموم و أعيته آلام المرض حين زارتني سيدة كبيرة في السن.. و ألحت أنني كغيري من الشباب لست حريصة على الأذكار و التحصين … فنزلت كلماتها علي كالصاعقة.. و حررت دموعي المحبوسة  حزنًا و تعجبًا.. و ربما غضبًا .. فهل كان مصابي عقوبةٌ أنالها لخطأ فعلته..

“لماذا تبكيك كلماتها؟! فهي لا تعرفك كما أعرفك، ألستُ من حفظتِ عنه الأوراد اليومية منذ طفولتك؟! ألست تحصنين نفسك و أبناءك بها كل يوم؟!.. “هذه الكلمات الرقيقة صاحبت حضن والدي الدافئ..

و ذكرني قائلاً: “إن نسيت أذكارك يومًا، فذلك بإرادة الله تعالى لأنه اختارك ليبتليك..لأنه أراد أن يمتحن قوتك و صبرك.. و أنت بإذن الله أهلٌ لهذا الاختبار..”

كانت كلماته بلسمًا شافيًا .. هدأت من روعي، و أعادت لي صوابي.. فحمدت الله على ابتلائه..

لازلت أذكر و أشكر كل من زارني و تذكرني بدعوةٍ أو نصح.. بل و أشكر كل من يتذكر المرضى بزيارته و دعواته و أدعوهم أن يترفقوا في كلامهم، و ألا ينسوا أن زيارة المريض ما كانت إلا لدعمه و الدعاء له، و تجسيد مشاعر الحب و الرغبة في المساعدة له و لأهله المقربين..

قال صلى الله عليه و سلم :” ما من مُسلمٍ يعودُ مسلِمًا، فيقولُ سبعَ مرَّاتٍ : أسألُ اللَّهَ العظيمَ ربَّ العرشِ العظيمِ أن يشفيَكَ ؛ إلَّا شُفيَ ؛ إلَّا أن يَكونَ قَد حضرَ أجلُهُ” إسناده صحيح

و لكل مريضٍ أو مبتلى، أقول: توقف عن التخمين و أمض بسلامٍ في رحلة التعافي بإذن الله..

و للحكاية بقية..

أمينة حسن قملو

متعافية من السرطان

Twitter del.icio.us Digg Facebook linked-in Yahoo Buzz StumbleUpon
هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف غير مصنف. الأوسمة: , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

أضف تعليق