التوحد التشخيص والعلاج (نافذة على دورعلم التصوير العصبي)

هذه المقالة عبارة عن ترجمة بتصرف مع بعض الإضافات لمقالة كتبها قاري ويبر في مدونته ويمكن الوصول للمقالة على الرابط التالي إضغط هنا

نحو نظرية علمية لمعرفة أسباب طيف التوحد إعتماداً على التغيرات الحاصلة في الدماغ 

عندما يقوم الإنسان بعمل ما تتواصل مجموعة من مناطق الدماغ بطريقة متزامنة لتحقيق مهام جانبية استكمالاً لتنفيذ المهمة الأساسية وعندما يكون هناك ضعف في التواصل بين هذه المناطق أو جزء منها فإنه يتسبب في حدوث قصور في إحدى الوظائف الفرعية السابقة وبالتالي فإن الشخص المصاب بذلك القصور يعاني من خلل في المهمة الأساسية. استنادا إلى ذلك أشار البروفسور مارسيل جست ومجموعته البحثية في مقالة علمية نشرت هذا الشهر في مجلة (Neuroscience & Biobehavioral Reviews) -(يلزم وجود اشتراك مع المجلة الناشرة للحصول عليها لذلك على من يريد النسخة الكاملة التواصل معي)- وبناءً على الأبحاث التي أجريت في جامعة كارنجي ميلون وفي بعض المراكز الأخرى إلى أن سبب حدوث اضطراب طيف التوحد قد يعود إلى عدم وجود اتصال كافِ بين بعض مناطق الدماغ بسبب وجود قصور في وظائف أو جودة المادة البيضاء (White matter) وهي المادة المسؤولة عن التوصيل بين مناطق الدماغ المختلفة مقارنة مع الأشخاص غير المصابين بالمرض. حيث أن وجود قصور في وظائف أو جودة المادة البيضاء يؤدي إلى بطء وضيق سعة الاتصال في قنوات الاتصال خاصة بين المناطق الأمامية والخلفية للدماغ وبالتالي تؤدي إلى ضعف في مزامنة الوظائف لنفس المناطق. ما يميز هذه المقالة إنها وضعت أساساً نظرياً لسبب حدوث اضطراب طيف التوحد.

كما أن البروفسور جست قد قام مع مجموعة بحثية أخرى بنشر ورقة علمية في عام ٢٠٠٤ في مجلة (Brain) (إضغط هنا للوصول إلى النسخة الكاملة) تحتوي على أول تحليل حقيقي يشير إلى أن ضعف التواصل بين مناطق الدماغ هو السبب المحتمل لمرض التوحد. حيث قام الفريق البحثي باستخدام التصوير الوظيفي بالرنين المغناطيسي (fMRI) لدراسة وظائف مناطق مختلفة كان من أهمها منطقة بروكا (Broca’s area المسؤولة عن إنتاج الكلام ومنطقة ڤينيكيه (Wernickes area) المسؤولة عن فهم اللغة سماعاُ أو قراءةً على مجموعة من ١٧ توحديا (مصابين بطيف التوحد) و ١٧ شخص آخرين سليمين في المجموعة الضابطة. كلا المجموعتين كانتا متماثلتين في الجنس والعمر والعرق والأصل العائلي كما أن نتائج إختبار الذكاء اللفظي (Verbal IQ) كانت أعلى من ٨٠ في كلا المجموعتين. في هذه الدراسة كان المطلوب من المشارك أن يحدد الفاعل والمفعول به عند عرض جمل مختلفة مبنية للمجهول وللمعلوم عشوائيا. وقد وُجد أن منطقة بروكا كانت أنشط عند المجموعة الضابطة منها عند الأشخاص التوحديين على العكس من منطقة ڤينيكيه التي كانت أكثر نشاطاً عند التوحديين منها عند المجموعة الضابطة. كما أن الفريق البحثي وجد أن درجة المزامنة أو إرتباط التسلسل الزمني لنشاط أجزاء مختلفة من القشرة الوظيفية للدماغ “المادة الرمادية” (Gray/Grey matter) كان في الأشخاص التوحديين أقل منه في المجموعة الضابطة. هذه المقالة وضعت أساساً نظرياً لوجود القصور اللغوي لدى التوحديين الذي يتسبب به ضعف في المزامنة والتواصل بين بعض المناطق اللغوية في الدماغ.

صورة توضح نشاط مناطق مختلفة في الدماغ توضح أن منطقة بروكا أقل نشاطاً لدى التوحديين "A" من المجموعة الضابطة ‪"B"‬ وأن منطقة ڤينيكيه أكثر نشاطاً لديهم منها لدى المجموعة الضابطة ‪ (Just M. et. al, 2004‪)‬ ‬

كذلك قام البروفسور جست بنشر مقالة علمية عام ٢٠٠٧ في مجلة (Cerebral Cortex) (إضغط هنا للوصول إلى النسخة الكاملة). هذه الدراسة كانت على مجموعة من ١٨ توحديا  و ١٨ شخص آخرين سليمين في المجموعة الضابطة بنفس مواصفات المشاركين في الدراسة السابقة تقريباً. حيث أن ١٢ من التوحديين و٩ من المجموعة الضابطة كانوا قد شاركوا في الدراسة السابقة أعلاه. وقد تم فيها استخدام التصوير الوظيفي بالرنين المغناطيسي أثناء إختبار (Tower of London test). وكان نشاط القشرة الوظيفية للدماغ متماثلا وفي نفس الأجزاء تقريباً. لكن لاحظ الباحثون ٣ مؤشرات على ضعف التواصل في التوحديين. أولاً درجة المزامنة أو إرتباط التسلسل الزمني لنشاط الأجزاء الأمامية (Frontal lobe) والجدارية (Parietal lobe) كان في الأشخاص التوحديين أقل منه في المجموعة الضابطة. ثانياً كانت مساحة المقطع العرضي أصغر بشكل واضح إحصائياً لدى التوحديين منها لدى المجموعة الضابطة في كل من الجزء الأمامي (Genuوالجزء الخلفي (Splenium) من الجسم الثفني “الجاسيء” للدماغ (Corpus Callosum) وهما المسؤولان عن التوصيل بين الأجزاء النشطة على نطاق ثنائي بين المناطق الأمامية والجدارية. ثالثاً في مجموعة التوحديين فقط كان هناك ارتباط وثيق بين حجم الجزء الأمامي للجسم الثفني للدماغ والتواصل الوظيفي للأجزاء الأمامية والجدارية الخلفية. 

هل من الممكن علاج طيف التوحد بإحداث تغيير في المادة البيضاء؟

من المتعارف عليه منذ زمن بعيد أن المادة البيضاء في دماغ الإنسان غير قابلة للتغيير أو لإعادة التشكل. لكن الأبحاث الحديثة غيرت هذا المفهوم بعض الشيء. فعلى سبيل المثال بعض الأبحاث التي أجريت على الموسيقيين أشارت إلى أن هناك اختلافاً في خصائص المادة البيضاء بين الموسيقيين وغيرهم وأن هناك إرتباطاً وثيقاً بين هذه الخصائص ومدة التدريب أو سن الموسيقي عند بدء التدريب أو القدرة على تمييز درجة الصوت  (Oechslin M. et. al, 2009) و (Amfeld A.etal, 2009) أو أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين التدريب الموسيقي والتغير الحاصل في خصائص المادة البيضاء (Bengtsson A. et. al, 2005) و (Schlaug G et. al, 2009) و (Schlaug G et.  al, 2009). (يتم إختيار الموسيقيين لدراسة تطور الدماغ لطول فترة التدريب الموسيقي ولاستمراريته ولأنهم غالباً يبدأون التدريب عند سن مبكرة كذلك لأن الموسيقي يستخدم مناطق مختلفة ومتنوعة من الدماغ عند التدريب أو الأداء). كذلك قام كل من تيموثي كيلر والبروفسور جست بنشر نتائج دراسة واعدة عام ٢٠٠٩ في مجلة (Neuron) (إضغط هنا للوصول إلى النسخة الكاملة). في هذه الدراسة قام الباحثان بتطوير برنامج مكثف مدته ١٠٠ ساعة لتدريب أطفال في عمر ٨ إلى ١٠ سنوات ممن يعانون من صعوبات القراءة وقد وجد الباحثان أن قيمة التباين الجزئي (Fractional Anisotropy) للمادة البيضاء صغيرة لدى هؤلاء الأطفال مقارنة مع أقرانهم الذين لا يعانوا من نفس المشكلة قبل التدريب بينما كان هناك إزدياداً كبيراً في قيمته بعد التدريب. هذه الزيادة كانت مترافقة مع نقصان في الإنتشار الشعاعي وليس المحوري للمادة البيضاء مما حدا بالباحثين إلى اقتراح أن ذلك مرتبط بتكثف وزيادة مادة المايلين (Myelin) والتي بدورها تساهم بسرعة التواصل. كذلك وجد الباحثان أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين زيادة قيمة التباين الجزئي وازدياد مهارة فك الترميز الصوتي (Phonological decoding ability) لدى التوحديين. ما يميز هذه الدراسة أنها قد تفتح أفاقاً واسعة ليس لتطوير طرق علاج بعض حالات طيف التوحد فقط وأنما أيضاً بعض اضطرابات الجهاز العصبي الأخرى.

Twitter del.icio.us Digg Facebook linked-in Yahoo Buzz StumbleUpon
كُتب في مقالة أعجبتني | الأوسمة: , , , , , , , | 7 تعليقات

هل بالإمكان تحديد الأطفال المعرضين للإصابة باضطراب طيف التوحد مبكراً ؟

في منتصف شهر فبراير الماضي نُشرت نتائج دراسة متنوعة قام بإجراءها فريق بحثي من جامعة شمال كارولينا بقيادة جوزيف بيفن مدير معهد كارولينا لإعاقات النمو. إحتوت هذه الدراسة على اختبارات تقييم سلوكية واستخدام تقنية (Diffusion tensor imaging) بواسطة التصوير بالرنين المغناطيسي (Magnetic resonance imaging) على فترات زمنية متباينة (6 و 12 و 24 شهرا من العمر) لمراقبة تطور ألياف المادة البيضاء (White matter fiber tract) في أدمغة مجموعة من ٩٢ طفل رضيع من الذين هم وراثياً عرضة بنسبة عالية للإصابة باضطراب طيف التوحد (Autism Spectrum).

في هذه الدراسة أجرى الفريق البحثي مقارنة بين من ثبتت إصابته بالمرض (٢٨ طفل) ومن لم يصب (٦٤ طفل) من الأطفال الرضع في عمر ٢٤ شهر ووجد أن هناك إرتباطا بين الخصائص المجهرية لألياف المادة البيضاء والإصابة بالاضطراب أو أن الخصائص السلوكية للأطفال المصباين بالاضطراب مرتبطة بالتباين الجزئي (Fractional anisotropy) لخواص المادة البيضاء والإنتشار الشعاعي والمحوري لها (مع التذكير بأن الأطفال في كلا المجموعتين لديهم تاريخ عائلي للإصابة بالاضطراب). كما أن التقنيات الحديثة سمحت للفريق البحثي بإنتاج صور ثلاثية الأبعاد لألياف المادة البيضاء في أدمغة الأطفال المصابين كما في الصورة أدناه. كما وجدوا أن التباين الجزئي في ١٢ مسارا من المسارات الخمسة عشر الاساسية للمادة البيضاء يختلف بشكل جذري احصائياً بين المجموعتين. كما تبين للفريق البحثي أن التباين الجزئي لخواص المادة البيضاء يكون في أعلى قيمه عند الأطفال المصابين في عمر ٦ أشهر مقارنة بغير المصابين لكنه يعود ليصبح أقل لدى الأطفال المصابين عند عمر ٢٤ شهراً لذلك خلص الفريق البحثي إلى أن التغيرات الكبيرة في خصائص المادة البيضاء قد تسبق أعراض الإصابة بالمرض في السنة الأولى من حياة الطفل.

مسارات للمادة البيضاء للجسم الثفني (الجسم الجاسئ) للدماغ ‪(‬Corpus Callosum‪)‬ لعينة الدراسة عند عمر ٢٤ شهر ‪(‬Jason J. Wolff et‪.‬ al‪,‬ 2012‪)‬

قد يكون من المبكر التأكيد على أن هذه التقنية ستكون مفيدة في تحديد الأطفال المعرضين لخطر الإصابة باضطراب طيف التوحد في مرحلة الطفولة المبكرة لكن نتائج هذه الدراسة قد تفيد في تطوير آليات أفضل للتنبؤ ولدراسة وسائل المعالجة الممكنة مبكرا كما أن إستعمال تقنيات تصوير أخرى قد يساعد في تكوين فهم أفضل للتغيرات الحاصلة في أدمغة الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد.

للحصول على نسخة من الدراسة باللغة الأنجليزية إضغط هنا

Twitter del.icio.us Digg Facebook linked-in Yahoo Buzz StumbleUpon
كُتب في مقالة أعجبتني | الأوسمة: , , , , | إرسال التعليق